تابعنا على فيسبوك

    
    وفاة رجل الجزائر القوي وما بعدها وفاة رجل الجزائر القوي وما بعدها

    وفاة رجل الجزائر القوي وما بعدها

    By متابعات / شؤون عربية / الخميس, 26 كانون1/ديسمبر 2019 11:11
    اختتم أحمد قايد صالح، بموته، فصلاً جديداً من تاريخ الجزائر الحديث، بعد أن أحسن هندسته، دون أيّ تغيير في الخط العام – التاريخي هو الآخر – من طبائع الحكم ومعادلاته.
     
    في لحظة فارقة، من تاريخ الجزائر السياسي، غيّب الموت الحق، الرجل الذي صنع اللحظة نفسها، بعد أربعة أيام من تسلمه وسام الاستحقاق، وكان وساماً يرمز إلى تحالف لا تنفصم عُراه، بين رئاسة الجمهورية والمؤسسة العسكرية. انطوت حياة الفريق أحمد قايد صالح، بنفس راضية عمّا أنجز، مستأنساً برضا قطاع شعبي عريض، عن الحل الوسط، وهو ألاّ تسقط الدولة وتعمّ الفوضى، وفي الوقت نفسه ألاّ يذهب هدير الشعب سُدى. وكان رأس المؤسسة العسكرية الراحل قد جعل السؤال الأهم حول مصير النظام السياسي أكثر صعوبة وتعقيداً بالنسبة إلى الجزء الأكثر تشدداً من حراك الشارع: كيف سيصبح بالإمكان، أبدع مما كان؟
     
    في الوقت نفسه، لا يختلف اثنان، على أن ما حققه أحمد قايد صالح، ومن ورائه مؤسسة العسكر التي ظلت متماسكة بعد تنقيح بنيتها وتخليصها من عناصر معيقة تُعدّ حُججاً عليها فاقعة؛ يعتبر عملاً إعجازياً، فيه من العناصر القيمية ما لا يصح إنكاره: ضبط النفس وعدم الانزلاق إلى العنف وقمع الشارع بالنيران أو حتى بالهراوات، مثلما كانت ترغب العصبية الموصولة برئيس الجمهورية السابق، وما تسمّى الآن “العصابة”. خيار الجيش تحويل وجهة الهراوة إلى ظهور وأكتاف الذين استثاروا الشارع، بعد أن أفسدوا الحياة السياسية واعتصروا البلاد، دون أن تتزيّى الهراوة باللباس العسكري، والحرص على أن تكون من تحت عباءات القضاء. وفوق ذلك، حرص المؤسسة العسكرية، على التزام المحددات الدستورية في كل تدابير السيرورة، وضماناً للاستجابة للحد الأدنى مما يمكن الاستجابة إليه من مطالب الشارع!
     
    اختتم أحمد قايد صالح، بموته، فصلاً جديداً من تاريخ الجزائر الحديث، بعد أن أحسن هندسته، دون أيّ تغيير في الخط العام – التاريخي هو الآخر – من طبائع الحكم ومعادلاته. فمن سابع المستحيلات أن يتاح لمجموعات غامضة أو معلومة، من خارج مشروعية ثورة نوفمبر 1954 أخذ البلاد إلى مسارات مختلفة عن تقاليد السياسة الجزائرية في القارة والإقليم. والسؤال الصعب، الذي سيواجهه الجزء المتشدد في الشارع، كيف يمكن العبور إلى برّ الأمان، دون أن تبادر المؤسسة العسكرية إلى تخليص النظام السياسي من عيوبه، طالما أن المشكلة ليست في خصائص الدولة، وإنما في من تسلقوا إلى مراكز الحكم المؤثرة وضلّوا السبيل!
     
    لم يكن أمراً هيناً، نقل الجزائر من عهد رجل من زمن نضالات الاستقلال، شاخ وشاخت معه رؤيته وإرادته “الثورية” إلى عهد رجل آخر، من رجال الدولة المستقلة وتجاربها المثيرة، ممن لم يضلوا السبيل. فالمسافة كبيرة بين من كان يأنس لإرثه التاريخي، ويرتضي لنفسه جماعة تحيط به وتحكم باسمه وتفعل ما تشاء، وآخر لا يأنس في نفسه سوى القدرة على مواجهة التحديات، وليست له جماعة تحيط به أو يمكن أن تحكم باسمه.
     
    في مرحلة الدفع إلى تلك السيرورة، ظل قايد صالح، ثابتاً في وجه من يحاولون جعل انتمائه للعسكر وترؤسه لقيادة أركان الجيش، حجة عليه. قيل إنه محسوب على النظام، وإنه خيار بوتفليقة، وعلت أصوات الحناجر مطالبة برفع يده عن مجرى السياسة، ولم يتوقف أحد أمام سؤال بديهي، وهو إن لم يكن رئيس المؤسسة العسكرية الحامية للبلاد، معنياً بالسياسة، وفي حال أن يكون الساسة المدنيون مذمومين؛ فمن ذا الذي يمكنه أن يحسم وأن يجد نفسه مضطراً أو صاحب حق، لأن يضع يده علناً على مجرى السياسة؟
     
    قيل عنه إنه الحاكم الفعلي في البلاد، وهذه هي الحقيقة التي ارتسمت بعد إطاحة بوتفليقة. فهل كان في وسعه أن يكون حاكماً شكلياً بعد إزاحة الحاكم الفعلي ومجموعته؟
     
    وقيل إنه هو الذي دفع الأمور في اتجاه عبدالمجيد تبون لترؤس الجمهورية. لكن الرجل قدّم للشارع خارطة طريق، وفتح المجال للإرادة الشعبية، ولم يكن لدى الذين قاطعوا أيّ بدائل إجرائية، سوى المطالبة غير العملية، بمجلس تأسيسي، في سياق لا يضمن تماسك الدولة والحفاظ على هويتها ومسارها التاريخي، وتضييق هوامش النعرات الجهوية. فعندما تتردى السياسة في أيّ بلد، تطفو النعرات وتتربص العصبيات الموهومة ببعضها البعض. ففي السنوات الأخيرة، سادت في الجزائر فكرة وجود منظمات جهوية سرية، من بينها تلك التي أطلق عليها الإعلام اسم “جماعة عنابة” في محاولة لاستهداف قادة الجيش بعد تخليصه من ضباط فاسدين، وبعضهم كان ضالعاً في محاولات إدخال أطنان من المخدرات المدمرة إلى البلاد عن طريق ميناء وهران.
     
    ودارت مفردات مثل هذه النعرات، في حيز الفراغ السياسي وتفشّي الفساد، لكنها لم تقم على منطق، لأن قايد صالح، المنتمي للشرق الجزائري، ظل حتى الأيام الأخيرة من حكم بوتفليقة أو الحكم باسمه، من أقرب الرجال إلى رئيس الجمهورية المنتمي إلى منطقة تلمسان في الغرب الجزائري. بل إن تبون نفسه، الذي قيل إنه خيار رئيس الأركان ينتمي إلى عمق الغرب، ومنطقة المشرية تحديداً، وهي أبعد ما تكون عن الشرق الذي اتهم قايد صالح بالانحياز له. فكل تلك تُرّهات وليست ذات صلة بمصادفات وقعت، ومن بينها أن معظم الضباط الضالعين في محاولة إدخال وترويج السموم التي جرت في مايو 2018 وجرى إقصاؤهم كانوا من الغرب. وعندما جرى تصعيد اللواء سعيد شنقريحة لمنصب قائد القوات البرية، وهو المنصب الذي يضع من يشغله على باب تسلم رئاسة الأركان، لم يكن ذلك بشفاعة شرق أو غرب. لكن الرجل، محسوب في مناخ النميمة على “جماعة عنابة” وهو من منطقة بسكرة الأقرب إلى الوسط مع ميل طفيف إلى الشرق، وعلى حافة الصحراء. وبعد وفاة الفريق قايد صالح، جرى تعيينه رئيساً للأركان بصيغة تتفق مع التراتبية وذات منحى انتقالي بحت، رُوعي فيه التاريخ العسكري للرجل باعتباره من ذوي المآثر العسكرية في مواجهة الإرهاب، ومشاركاً مع القوات الجزائرية في مصر في فترة الحرب.
     
    السؤال الذي سيواجهه الجزء المتشدد في الشارع، كيف يمكن العبور إلى برّ الأمان، دون أن تبادر المؤسسة العسكرية إلى تخليص النظام السياسي من عيوبه، طالما أن المشكلة ليست في خصائص الدولة، وإنما في من تسلقوا إلى مراكز الحكم وضلّوا السبيل
     
    سعيد شنقريحة، ربما يكون لديه عائق على صعيد السياسة التي أضمرها الرئيس تبون حيال المغرب. ففي العام 2017 ظهر شنقريحة في أحد مخيمات اللاجئين الصحراويين الموالين لجبهة البوليساريو، وكان يتحدث ممتدحاً تلك الجبهة، ما استثار موجة احتجاج مغربية. ومن تداعيات ذلك أن المصالح الأمنية الجزائرية اتهمت نظيرتها المغربية بدس شعارات في الحراك الشعبي، تركز سلباً على شنقريحة، وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت الجيش الجزائري، يفصل بين مطالب الشارع، ومواويل بعض الأصوات في الحراك.
     
    وبغياب قايد صالح، ربما تدخل الجزائر، خلال الشهور المقبلة، مرحلة تختلط فيها العوامل الصعبة والإيجابية التي تخفف الاحتقان. فالتظاهرات ستشهد بتأثير وفاة رئيس الأركان، رجحان الجزء المتفهم لخارطة الطريق التي أوصلت تبون إلى الرئاسة، وتراجع الذين قاطعوا الانتخابات الرئاسية. فهؤلاء، الأخيرون، لم يقاطعوا لأنهم لا يريدون انتخابات رئاسية، وإنما لأنهم كانوا يطمحون إلى ما لا يمكن تلبيته، وهو تفكيك مفاصل الدولة وإعادة البناء من جديد. فالدول لا يصح تفكيكها، لأن ما يصح وما هو واجب ينحصر في شأن الحكومات ومناهج عملها وليس في شأن الدول. لذا كان أهم ما جاء في تصريحات تبون أمام قايد صالح، في يوم تنصيبه كرئيس للجمهورية، هو دعوته إلى ما سمّاه “أخلقة” السياسة، أي إضفاء الطابع الوطني والدستوري والأخلاقي على ممارستها. وبحكم أن للآلام جمالها – حسب تعبير فرنسي – ربما تكون وفاة الرجل القويّ، وكون الرجل الذي حل في موقع قايد صالح مديناً لرئيس الجمهورية بقرار تكليفه رغم تلقائيته التراتبية؛ يسهلان على رئيس الجمهورية “الأخلقة” التي يطمح إليها، لاسيما وأنه قبل وفاة قايد صالح كان يستشعر الصعوبة في كلتا المسألتين، تشكيل الحكومة، ثم آليات تسييرها في ظروف لا تزال صعبة!
     
     
    عدلي صادق
    كاتب وسياسي فلسطيني
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.