تابعنا على فيسبوك

    
    ترامب.. البطل والمتهم ترامب.. البطل والمتهم

    ترامب.. البطل والمتهم

    By متابعات / شؤون دولية / الثلاثاء, 28 كانون2/يناير 2020 12:12
    كسبُ ترامب أصوات الناخبين عبر ابتزاز الفلسطينيين حلال، ولكن عبر ابتزاز الأوكرانيين هو خيانة كبرى وانتهاك للدستور وخطر على الأمن القومي.
     
     
    مفارقة مضحكة تعيشها الولايات المتحدة هذه الأيام في محاكمة الرئيس دونالد ترامب بتهمة استخدام سلطته لابتزاز رئيس أوكرانيا. بينما هو يستعد لإعلان أكبر عمليات ابتزاز بما يسميه “صفقة القرن” للسلام في الشرق الأوسط. يُحاكمُ ترامب اليوم لأنه حاول استغلال نفوذه في إضعاف منافسه الديمقراطي جو بايدن. بينما يعلم القاصي والداني أن خطة السلام التي أعدها للمنطقة تهدف، بالدرجة الأولى، إلى كسب أصوات اليهود الأميركيين في انتخابات الرئاسة المقبلة، وهي تقوم على كل استغلال ممكن لمنصبه من أجل إجبار الفلسطينيين على قبولها.
     
    يقف ترامب اليوم مذنبا أمام مجلس الشيوخ لأنه ابتز رئيس أوكرانيا وخيّره بين وقف المساعدات لبلاده، وبين فتح تحقيق بأنشطة ابن بايدن هناك، فيقلل من فرص فوز الأب في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ترامب نفسه وأمام ذات المجلس سيقف خلال أيام بطلا قوميا استخدم منصبه ليقدّم لإسرائيل سلاما لم تحلم به، مقابل أصوات يهود الولايات المتحدة في ذات الانتخابات. ومن أجل ذلك قلص ترامب إلى حدود ضيقة دعم بلاده لمنظمة أونوروا للضغط على الفلسطينيين من أجل قبول هذا السلام. جرم واحد في الحالتين هو الابتزاز وهدف واحد في الحالتين هو كسب الانتخابات، ولكن ترامب خائن في الأولى وبطل في الثانية.
     
    كسب ترامب أصوات الناخبين عبر ابتزاز الفلسطينيين هو حلال، ولكن عبر ابتزاز الأوكرانيين فهو خيانة كبرى وانتهاك للدستور وخطر على الأمن القومي. أن يضطهد شعبا بأكمله ويسلبه أرضه وحقوقه من أجل ولاية رئاسية ثانية في البيت الأبيض هو أمر مشروع ولا يمسّ يمينه الدستوري. أما أن يحاول التشويش على مرشح رئاسي بفتح تحقيق حول أنشطة ابنه الاقتصادية خارج البلاد، فهذا فعل يجرده من أخلاق الرئاسة في دولة “عظيمة” مثل الولايات المتحدة، ويعرض سمعة دبلوماسيتها للخطر كما يضع ديمقراطيتها الداخلية موضع تساؤل.
     
    لا يمكن أن تجد محددا أكثر وضوحا من الابتزاز في السياسة الخارجية الأميركية. وعندما يتعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية يصبح الأمر أكثر فجاجة وقبحا. فكيف أن ارتبط بالانتخابات ومصلحة عليا لإسرائيل مثلما تحمل “صفقة القرن” الترامبية. لم يخشَ ترامب لومة لائم عندما اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولا حين اعترف بالجولان السوري جزءا منها، وكذلك عندما شرعن المستوطنات، وأبدى موافقة ضمنية على ضم الأغوار. كل ذلك تمهيدا للحظة تاريخية يقف فيها ليقول للعالم، تعيش دولة إسرائيل والموت لحلم الدولة الفلسطينية المنتظرة.
     
    ترامب يمارس العلنية في ابتزاز جميع دول العالم دون استثناء، منذ اللحظة الأولى التي قدم بها إلى البيت الأبيض. ما كان يمارسه أسلافه في السر أخرجه هو إلى العلن. والمفاجأة أن شعبيته في الداخل تزداد كلما جاهر بابتزازه. وكأن لسان حال الأميركيين يقول: هكذا يجب أن يكون زعيم الدولة الأقوى عالميا في اقتصادها وجيشها. يجب أن يخشاها الجميع وأن يدفع لها الجميع، وأن يرضخ لها الجميع. وفي استدعاء الأرقام للتدليل على القبول الشعبي لترامب، فإن نصف الأميركيين يرفضون محاكمته، وثلثي الجمهوريين مازالوا يؤيدونه رغم كل شيء.
     
    السر الذي يعرفه الجميع ولكنهم لا يفضلون الحديث عنه، هو أن ترامب ماض بقوة إلى الولاية الرئاسية الثانية. ترغب جميع دول العالم، ما عدا إسرائيل وبضعة دول، أن يقع حدث جلل في الداخل الأميركي ليمنع هذا السيناريو. ولكن السؤال، هل يتخلى أي ساكن للبيت الأبيض عن سياسة الابتزاز التي توارثها أسلافه، خاصة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وتحول الولايات المتحدة إلى قطب العالم الوحيد، من حيث القوتين العسكرية والاقتصادية.
     
    ربما تفيد بضع خطوات إلى الوراء في التاريخ الأميركي لتلمّس المحددات الأخلاقية للسياسة الخارجية في المنطقة. هل قدم بيل كلينتون للرئيس الراحل ياسر عرفات في كامب ديفيد خطة سلام عادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ صحيح أنها كانت أفضل مما يحمله ترامب في جعبته ولكنها لم تكن منصفة. ماذا عن جورج دبليو بوش الذي غزى العراق وخلف فيه خرابا لا يزال يتراكم حتى اليوم؟ لنسأل عن باراك أوباما الذي نال جائزة نوبل للسلام عام 2009، هل كان أفضل من أسلافه وهو من باع سوريا والعراق ولبنان واليمن لإيران مقابل إبرام اتفاق نووي معها؟
     
    بعد هؤلاء الثلاثة جاء ترامب ليفعل خلال ولايته الرئاسية الأولى، ما تردد أسلافه في فعله، أو خشوا فعله خارج الأروقة المظلمة. كان ترامب الأكثر وضوحا بينهم مع الشعب الأميركي، ونفذ وعوده الانتخابية الواحد تلو الآخر. لا يهم إن كان الملايين حول العالم قد تضرروا بسبب سياساته الداخلية والخارجية. المهم أن مؤشرات الاقتصاد التي تفاخر بها في مؤتمر دافوس مؤخرا، تؤكد أن فجاجة دبلوماسيته وعنجهيته وابتزازه للعالم، قد جلبت خلال ثلاث سنوات فقط الملايين من الوظائف للأميركيين والمليارات من الدولارات لخزينة الولايات المتحدة.
     
    اليوم يقف الرئيس الجمهوري أمام محاكمة صورية في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون. ومن ثم سيواجه محاكمة أخطر تتمثل في الانتخابات الرئاسية مطلع نوفمبر المقبل. البقاء في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى هو ما تتوقعه له استطلاعات الرأي. وسواء كذبت هذه التوقعات أم صدقت، لن يشعر ترامب بالندم على ما فعله وأضر به الفلسطينيين والعرب. سيبقى أفضل صديق لإسرائيل في تاريخ الولايات المتحدة كما وصفه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. ومن يخلف ترامب في البيت الأبيض سيحاول نيل ذات الشرف وذات البطولة.
     
     
     
    بهاء العوام
    صحافي سوري
     
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.