تابعنا على فيسبوك

    المعارك الانتخابية السابقة لأوانها تزيد في تعقيد الأزمة التونسية المعارك الانتخابية السابقة لأوانها تزيد في تعقيد الأزمة التونسية

    المعارك الانتخابية السابقة لأوانها تزيد في تعقيد الأزمة التونسية

    By متابعات / شؤون وطنية / الإثنين, 21 جانفي 2019 12:26
    الصراعات الحالية في تونس تحمل في ظاهرها طابعا اجتماعيا واقتصاديا، لكن في باطنها هي حاملة لابعاد سياسية توجه بوصلتها نحو الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة.
     
    في تواصل لسلسلة المعارك المستمرة منذ مطلع عام 2018 بين رأسي السلطة التنفيذية في تونس وتحديدا بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وكذلك بين جل المكونات الحزبية والنقابية التي أسهمت منذ عام 2016 في تشكيل ما كان يعرف بحكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها يوسف الشاهد، اشتدت وتيرة هذه الحروب بين جل المكونات المذكورة في مطلع عام 2019، ولئن تحمل المعارك الحالية في ظاهرها طابعا اجتماعيا واقتصاديا، فان في طياتها وفق كل المتابعين للمشهد السياسي في البلاد أبعادا سياسية هامة بتوجيه كل طرف بوصلته نحو الانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقبة في أواخر العام الجاري.
     
    تونس - تعيش الطبقة السياسية التونسية -منذ أن خرجت الخصومة بين رئيسي الجمهورية الباجي قائد السبسي والحكومة يوسف الشاهد إلى العلن- في مخاض عسير سيترتّب عنه إعادة تشكيل للمشهد السياسي، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية المرتقبة في أواخر العام الجاري.
     
    لئن يربط الفاعلون السياسيون، بمختلف مشاربهم الفكرية ما يحصل من فوضى سياسية عارمة في تونس منذ تفكك الائتلاف الحاكم الذي أسهم في تشكيل ما يعرف بحكومة الوحدة الوطنية التي دعا إليها الرئيس الباجي قائد السبسي في عام 2016 وترأسها يوسف الشاهد، قبل أن يختار الأخير الانحياز إلى حزام سياسي جديد تقوده حركة النهضة الإسلامية وكتلة الائتلاف الوطني (محسوبة على الشاهد) مكّنه من البقاء في القصبة عكس رغبة الرئيس التونسي وحزب نداء تونس والاتحاد العام التونسي للشغل، نظرا للصعوبات الاقتصادية والاجتماعية المتمخّضة عن فشل الحكومة الحالية، فإن الكثير من المراقبين يقرون بأن فتيل الأزمة ألهب اقتراب المحطات الانتخابية القادمة في أواخر عام 2019.
     
    وأثبتت التطورات الأخيرة في المشهد السياسي التونسي كل نوايا الأحزاب التي دخلت في حملات انتخابية مبكّرة قائمة أساسا على محاولة تقديم بدائل ومشاريع سياسية جديدة مغايرة تماما لما قُدّم من برامج سابقة وتحديدا في انتخابات عام 2014 والتي ثبت وفق جل الملاحظين فشلها على جميع المستويات وخاصة الاقتصادية والاجتماعية.
     
    ويرى مراقبون أن عام 2019 سيكون مفصليا لما سيتضمّنه من عملية فرز سياسي هامة ستؤدي بالنهاية إلى بلورة رؤية جديدة للأحزاب السياسية التي ستتنافس في قادم المحطات الانتخابية.
     
    ويعتبر رئيس الحكومة يوسف الشاهد، من أهم الشخصيات السياسية التي تعكف على إعداد مشروع سياسي جديد يتم تقديمه من قبل الأطراف المشاركة في تشكيله على أنه سيكون أفضل بديل لحزب نداء تونس الفائز في آخر محطات انتخابية عام 2014.
     
    منذ أن حقق يوسف الشاهد في منتصف عام 2018 انتصارا سياسيا هاما على حساب خصومه من الأطراف التي رفضت مواصلته رئاسة الحكومة وفي مقدّمتها الرئيس قائد السبسي وحزبه الأم نداء تونس وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل(أكبر منظمة نقابية في البلاد)، عكف الرجل على تأسيس مشروع سياسي جديد تأهبا لانتخابات عام 2019، تشارك في إعداده العديد من الوجوه السياسية وبعض الوزراء الذين اشتغلوا معه خلال قترة ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية ومنهم المهدي بن غربية وزير العلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان السابق.
     
    ويشارك في تأسيس الحزب الجديد -الذي سيعلن عن تشكيله في غضون الشهرين القادمين- كتلة الائتلاف الوطني البرلمانية الداعمة لحكومته (نواب منشقون عن نداء تونس)، علاوة على وجوه سياسية أخرى منحدرة من المنظومة القديمة وتحديدا من حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل عقب ثورة يناير 2011 وكذلك بعض المستشارين السابقين للرئيس الباجي قائد السبسي ومنهم سليم العزابي.
     
     

    حروب مستمرة
     
    على عكس ما يذهب إليه الكثير من المحلليّن، بتأكيدهم أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد يوجّه بوصلته نحو رئاسة الجمهورية، فإن بعض المراجع السياسية تؤكّد وجود توافقات بين الشاهد وحركة النهضة الإسلامية مفادها أن رئيس الحكومة الحالي وحتى بعد تأسيس حزبه الجديد سيكون من أولوياته رئاسة الحكومة لمدة خمس سنوات إضافية، في مقابل ذلك تواصل النهضة السيطرة على البرلمان ومن ثمّة التوافق مع الحزب الجديد على شخصية تتم تزكيتها لرئاسة الجمهورية ومن أهم الأسماء المتداولة كمال مرجان وزير الوظيفة العمومية (آخر وزير خارجية في عهد زين العابدين بن علي).
     
    وأدّى تسارع وتيرة الإعداد لمشروع الشاهد السياسي إلى حدوث تطورات مقابلة لتصوراته ومن أبرزها خروج بعض قيادات نداء تونس للحديث عن أن مرشّح الحزب للانتخابات الرئاسية القادمة سيكون الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي.
     
    وفي هذا السياق، كشف القيادي بحزب نداء تونس فوزي اللومي السبت، أن الباجي قائد السبسي هو مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية المقبلة، داعيا هياكل الحزب إلى الانكباب فور انتهاء المؤتمر الوطني للنداء على الاستعداد للانتخابات التشريعية.
     
    وقد سبق إعلان اللومي، نقد توجه به الرئيس الباجي قائد السبسي لرئيس الحكومة يوسف الشاهد خلال ظهوره التلفزي الأخير -الذي حاول فيه تهدئة الأوضاع بين الحكومة واتحاد الشغل الذي نفّذ إضرابا عام في القطاع العام في 17 يناير ويستعد لتنفيذ إضراب عام آخر بيومين في الوظيفة العمومية والقطاع العام في 20 و21 فبراير المقبلين- بقوله “إن من أسباب تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي أدّت إلى لجوء المنظمة النقابية لتنفيذ إضراب عام هو تركيز الشاهد على إعداد حزب الحكومة”، وذلك في إشارة إلى المشروع السياسي الجديد ليوسف الشاهد.
     
    ويستعد حزب نداء تونس الخاسر من المعركة السياسية الأخيرة مع يوسف الشاهد والتي أجبرته على الاصطفاف في المعارضة لعقد أول مؤتمر انتخابي له منذ تأسيسه وذلك عقب موجة الانشقاقات التي ضربته منذ نجاحه في انتخابات 2014 وجزّأته إلى عدة أحزاب.
     
    ولا تقتصر المعركة الانتخابية المبكّرة على تصفية خصومة بين رئيس الحكومة وحزبه الأم نداء تونس أو مع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، بل سارت وفق كل المعطيات الأخيرة في منعطف آخر دخلت فيه المنظمة النقابية (اتحاد الشغل) على الخط بإعلان أمينها العام نورالدين الطبوبي عن عزم المنظمة الدخول والمشاركة في الانتخابات القادمة.
     
    وعرفت العلاقة بين يوسف الشاهد والاتحاد العام التونسي للشغل توترا ومعركة كسر عظام منذ شهر يناير 2018 عقب تمرير قانون الموازنة العامة الذي لم يلبّ تطلعات المنظمة النقابية التي رأت فيه إجحافا بمنظوريها من العمال والموظفين.
     
    وبعدما نفّذ اتحاد الشغل مؤخرا في 17 جانفي إضرابا عاما في الوظيفة العمومية والقطاع العام، تستعد المنظمة لتنفيذ إضراب آخر بيومين في 20 و21 من شهر فبراير القادم احتجاجا على الحلول التي طرحتها الحكومة في علاقة بالزيادات في أجور القطاعين المذكورين.
     
    ويعتبر مراقبون أنه علاوة على تمسّك اتحاد الشغل بممارسته العمل النقابي، فانه أيضا يوجه من خلال تصعيد تحركاته رسائل بالجملة لرئيس الحكومة من أهمها استعرض العضلات عبر إبراز الآلة الشعبية للمنظمة قبل إجراء الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
     
    وبشأن عزم اتحاد الشغل المشاركة في الانتخابات سبق لبوعلي المباركي الأمين العام المساعد بالمنظمة أن أكد في تصريح لـ”العرب” أن اتحاد الشغل لن يدخل الانتخابات بقائمات وأسماء خاصة به، بل إنه سيدعم أسماء وشخصيات وقائمات مرشّحة للانتخابات عبر توجيه قواعد الاتحاد للتصويت لفائدتها.
     
    وإن ثبتت مشاركة اتحاد الشغل في الانتخابات، فلن تكون سابقة حيث شاركت المنظمة النقابية عقب الاستقلال في عام 1956 في انتخابات المجلس القومي التأسيسي في قائمات موحّدة مع الحزب الحر الدستوري الذي يتزعمه آنذاك الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
     
     

    مناورات الإسلاميين
     
    أمّا بخصوص حركة النهضة الإسلامية، فإن مواقفها المعلنة من الاستحقاقات الانتخابية مازالت غير واضحة، باستثناء ظهور بعض قياداتها بين الفينة والأخرى للتأكيد بأن زعيم الحركة راشد الغنوشي سيكون مرشحها للانتخابات الرئاسية، وجاءت اخر هذه التصريحات على لسان النائبة يمينة الزغلامي التي قالت “إن الغنوشي هو المرشح الأول للنهضة في الانتخابات الرئاسية”.
     
    ويرى مراقبون، ّأن كل ما تقدم عليه حركة النهضة في هذا الصدد لا يخرج في مقاصده عن مناورات ومحاولات جس نبض للرأي العام التونسي بشأن شعبية الغنوشي، خاصة بعدما تم فك التحالف الذي كان يجمعه بالرئيس الباجي قائد السبسي.
     
    ويستبعد العديد من المتابعين، إقدام حركة النهضة على ترشيح الغنوشي لمنصب الرئاسة، خاصة بعدما تم تفجير قضية الجهاز السري للحركة في الأشهر القليلة الماضية من قبل هيئة الدفاع عن المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي اللذين تم اغتيالهما في عام 2013 فترة حكم الترويكا.
     
    ويستدلّ أصحاب هذا الرأي الأخير، الداعم لتصوّرات أن سياسات النهضة قائمة على المناورة فحسب، بالبيانات التي أصدرتها مؤخرا بشأن الإضرابات العامة والتي جاءت في مجملها غير مصطفة بالشكل الكافي للدفاع عن خيارات حكومتها التي يترأسها يوسف الشاهد، بل أطنبت في مغازلة قيادة اتحاد الشغل تفاديا للدخول في صدام معها قبيل الانتخابات بأشهر قليلة.
     
    أما أحزاب المعارضة الكلاسيكية وفي مقدّمتها الجبهة الشعبية والتيار الديمقراطي، فقد اختارت بدورها الاصطفاف وراء مطالب الاتحاد العام التونسي للشغل المنحازة للطبقة الوسطى والأجراء واضعة، ضمن حساباتها السياسية إمكانية واردة بأن تدفع المنظمة النقابية منظوريها للتصويت لفائدة طرف على حساب آخر في الانتخابات.
     
    وقد أصدرت كل أحزاب المعارضة تقريبا، بيانات سياسية أكدت فيها دعمها لكل التحرّكات النضالية والاحتجاجية التي يقودها اتحاد الشغل، بالإضافة إلى دعمها كل تحرّكات قوى المجتمع المدني الرافضة لسياسات الطبقة السياسية التي حكمت البلاد بعد انتخابات عام 2014.
     
    وتراهن هذه الأحزاب، على تركيبة قواعد اتحاد الشغل المتكونة منذ نشأته من أنصار يتبنّون في معظمهم أفكارا يسارية أو قومية عروبية أو أيديولوجيا تقدمية، لكنها مغايرة ورافضة للسلطة وللتقارب معها في أغلب الملفات المطروحة.
     
    كل هذه الكواليس السياسية أكّدتها بلا شكّ تحركات كل الأحزاب حكما ومعارضة بإقدامها منذ اليوم الأول في عام 2019 بجولة من الزيارات الميدانية والاجتماعات الشعبية في مختلف مناطق البلاد تهيّأ للاستحقاقات الانتخابية المقبلة التي ستكون وفق جل المتابعين مفصلية في تاريخ تونس لما ستحدثه من عملية فرز كبرى قد تبقي في نهاية المطاف سوى على المدارس الكبرى المعروفة في المشهد السياسي التونسي.
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.