تابعنا على فيسبوك

    

    تونس.. معارك السياسة وغبار الإعلام

    By متابعات / شؤون وطنية / الجمعة, 26 نيسان/أبريل 2019 14:01
    الأخطر في القضية أن تتحول وسائل الإعلام إلى ميادين لتصفية الحسابات السياسية، وأن تتحول الساحة الإعلامية على إقطاعيات سياسية تستنسخ الاستقطاب السائد.
     
    تفاعل الرأي العام التونسي الخميس مع قرار الهيئة المستقلة للإعلام السمعي البصري، “الهايكا”، إيقاف البث المباشر لتلفزيون نسمة الخاص وحجز معداته بالقوة العامة. قرار أثار جدلا، بين رافض للقرار متوجس من تداعياته، وبين مرحب به من منطلق ضرورة احترام القانون.
     
    على أن القضية التي لا تعتبر وليدة اللحظة التونسية الراهنة، ليست من جنس القضايا القانونية أو الإعلامية الصرفة، بل هي معركة سياسية تدور رحاها بأدوات مختلفة ومنها أدوات الإعلام.
     
    البعد السياسي للقضية يمكن استخلاصه من تفاصيل كثيرة، تبدأ من هوية صاحب القناة، وهو إعلامي ورجل سياسة قريب من حزب نداء تونس، تشنجت علاقته مؤخرا برئيس الحكومة يوسف الشاهد، وكان ذلك واضحا في المحتوى الذي تقدمه القناة. ولعل توصيف القناة لحادثة الإيقاف دال أيضا على الملـمح السياسي للقضية حين اتهمت السلطات التونسية بمحاولة إسكات صوتها المنتقد للحكومة.
     
    الجدل بين الرافضين والمؤيدين، واستدعاء كل طرف للحجج القانونية والحقوقية اللازمة للحجاج المترتب على الحدث، استحضر إشكاليات حقوق العاملين في القناة الذين سيجدون أنفسهم في حالة بطالة في ظرف اقتصادي موسوم بالتردي، أو ركز على أن القناة تنشط دون رخصة قانونية باعتبار أن الهيئة المستقلة للإعلام السمعي البصري قالت إن القناة أصبحت غير قانونية بعد سحب ترخيصها العام الماضي بسبب ما وصفته بأنه “دعاية وتضليل وخدمة أهداف سياسية لمالك القناة”. لكن كل ذلك لا يمثل سوى الشجرة التي تخفي الغابة.
     
    في عمق القضية خلاف سياسي يأخذ المسألة إلى ما تعرفه البلاد من توتر دفين على وقع الاستعدادات للانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة. وفي خفايا الخبر تصريح لرئيس الهيئة نفسها حين “برر” عدم التعامل مع قناة الزيتونة (القريبة من حركة النهضة) بنفس الإجراء، رغم عدم تمتعها بالوضعية القانونية، حيث قال رئيس الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري النوري اللجمي إن “الهيئة حاولت حجز معدات قناة الزيتونة على خلفية عدم تسويتها لوضعيتها القانونية إلا أن السند السياسي الذي تتمتع به هذه القناة حال دون ذلك”.
     
    أبعاد كثيرة للقضية تتضافر لتشكل المشهد السياسي التونسي الراهن، والإعلام يمثل ركنه الركين. لا خلاف بين التونسيين اليوم أن أغلب المؤسسات الإعلامية التونسية، بمختلف أنواعها، لها علاقات أو ارتباطات بالأحزاب السياسية القائمة، ومن ذلك كان معروفا أن صاحب قناة نسمة هو أحد مؤسسي حزب نداء تونس، ثم عُرف باختلافه مع يوسف الشاهد حيث غيرت القناة خطها التحريري وخصصته لانتقاد أداء الحكومة. على أن ذلك لا ينفي أن الهايكا، الجهة الدستورية المشرفة على الإعلام في البلاد، لم تتوقف عن الإشارة إلى أن القناة تعمل بشكل غير قانوني، مثل العديد من المؤسسات الأخرى، حيث قالت الهيئة إن القناة أصبحت غير قانونية بعد سحب ترخيصها العام الماضي بسبب ما وصفته بأنه “دعاية وتضليل وخدمة أهداف سياسية لمالك القناة”.
     
    في خلفية المشهد، أن الإجراء المتخذ ضد هذه القناة اصطدم تطبيقه على قناة أخرى بوجود “سند سياسي”، والسند السياسي الذي لم يذكره رئيس الهايكا هو حركة النهضة، وهنا يمكن ربط عناصر الزمن السياسي وما يسوده من حملات انتخابية مبكرة، مع الطموحات السياسية لصاحب القناة، مع علاقة القناة برئيس الحكومة، مع الانتقائية في تطبيق القانون، لتتراجع المسائل الإعلامية في الخبر وتتقدم الدواعي السياسية.
     
    الانتقادات الموجهة لقرار غلق قناة نسمة، التي ركزت على الجوانب المتصلة بحقوق العمال في القناة، هي انتقادات مشروعة، لكنها غير كافية لتغطية الحقيقة. والتخوفات من بسط السلطة لنفوذها على الإعلام هي أيضا توجسات مشروعة بالنظر لما ينتظر البلاد من استحقاقات، لكنها أيضا تخوفات لا تفي القضية حقها. والتشديد على وجوب تطبيق القانون على كل مخالف هو دعوة تحتاج إلى المزيد من الأدلة على أن تطبيق القانون لا يخضع للانتقاء أو للاستثناء.
     
    الأخطر في القضية أن تتحول وسائل الإعلام إلى ميادين لتصفية الحسابات السياسية، وأن تتحول الساحة الإعلامية إلى إقطاعيات سياسية تستنسخ الاستقطاب السائد، حينها ستخسر البلاد الإعلام من حيث قدرته على تقديم الحقيقة، وتخسر السياسة من حيث كونها مجالا لخدمة الشأن العام. الصراع السياسي الراهن في تونس نقل معاركه إلى ملعب الإعلام وليس غلق قناة نسمة سوى مثال أول على الغبار المتطاير من الحملة الانتخابية المبكرة.
     
     
    عبدالجليل معالي
    كاتب وصحافي تونسي
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.