تابعنا على فيسبوك

    
    هل تدفع النهضة نحو السيناريو التركي؟ هل تدفع النهضة نحو السيناريو التركي؟

    هل تدفع النهضة نحو السيناريو التركي؟

    By متابعات / شؤون وطنية / الثلاثاء, 03 أيلول/سبتمبر 2019 11:29
    حركة النهضة التي كثيرا ما استشهدت بالنموذج التركي في العديد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا ترى غضاضة في استحضاره خلال سعيها إلى السيطرة على الأقطاب الثلاثة للسلطة.
     
    المتابع لخطاب رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، خلال ندوة الإعلان عن البرنامج التشريعي والرئاسي في الانتخابات المقبلة، يتبيّن أنّ الحركة غيّرت الكثير من خطابها سواء في مستوى أولوياتها أو في تصوراتها للحكم.
     
    فالحركة التي كانت تبرم توافقات سياسية على أساس التلطي وراء الواجهات الحزبية المقبولة محليا وإقليميا ودوليا، والتي كانت أيضا تسعى إلى التموقع في منظومة الحكم مع قبول بتمركز شكلي في الحكومات، باتت ترفع اليوم شعار الرغبة في الوصول إلى أقطاب الحكم الثلاثة في البلاد، رئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة.
     
    ولئن سلمنا بمنطق التشتت الهيكلي القائم في الأحزاب والتكتلات السياسية الأخرى، ناهيك عن افتقادها لذات الخزان الانتخابي الثابت المتوفر لدى النهضة، فإن انقضاض الأخيرة على المؤسسات التشريعية والتنفيذية وتمكنها من مفاصل السلطة والحكم في البلاد، يبدو فرضية جدّ واردة.
     
    وحيال هذه الشهية السياسية والانتخابية المتعاظمة للحركة التي لا تزال مدار تجاذب إقليمي ودولي، يخشى كثير من مكونات الرأي العام التونسي، أن يستدر التمكين والتمكن الإخواني في تونس، انتصاب أعداء كثر جدد، يضربون الثورة ويستهدفون الديمقراطية بسياط محاربة الإسلاميين، ويطرحون جرد حساب طويل مع حركة النهضة تدفع التجربة الديمقراطية الوليدة ثمنه غاليا.
     
    وفي حال ما انكفأ الخارج عن التدخل في المشهد المحلي التونسي، فإن سيطرة النهضة على الحكم البلدي والمحلي، والتشريعي والتنفيذي برأسيه، قد تضرب عرض الحائط بمقولات الديمقراطية التشاركية، وإن سلمنا بصدقية الديمقراطية الانتخابية، وتعيد البلاد إلى مربع الانقسامات والاصطفافات.
     
    صحيح أن خطاب الغنوشي، تضمن دعوات إلى استمرار التوافق مع الأطراف السياسية الأخرى، وإلى تواصل المنهج الذي خطه رفقة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، ولكنّ الصحيح أيضا أنّ سيناريو “التمكّن” لا يُفضي في المحصلة إلا إلى تبعية للنهضة على شاكلة الترويكا الأولى.
     
    ودون استباق للنتائج الانتخابية التي ستكشف عنها صناديق الاقتراع في قادم الأسابيع، فإنّ قراءة عميقة لخطوات حركة النهضة تسمح لنا بالقول بأن الأخيرة تستبطن- بشكل واع أو غير واع- المسار التركي في التمكّن من مفاصل الحكم وفي السيطرة النسبية على المشهد السياسي في البلاد.
     
    توحي التجربة التركية- على عللها ومشاكلها- للإسلاميين في تونس بالكثير من الأفكار والرؤى، لا فقط في مستوى التقارب والتقاطع بين بُنيتي الدولة التونسية والتركية من حيث الحداثة الاجتماعية والتحديث المؤسساتي، بل وهو الأهم في مستوى التغلغل في مكونات الدولة التركية على الرغم من محاذير الطبقة العلمانية السياسية منها والنقابية، ومحظورات الجيش والقضاء والتي تلاشت بمقتضى “السياق الديمقراطي” وشروط الاتحاد الأوروبي.
     
    على مدى أكثر من عقد من الزمان السياسي، وحزب العدالة والتنمية التركي، يسيطر على البرلمان ورئاسة الحكومة والجمهورية، وعلى مدى أكثر من عقد من الزمان كان الحزب يكتسح عوالم صناعة الرأي والقوة الرمزية من إعلام ومجتمع مدني، إلى درجة أنه تحوّل إلى حزب شمولي تلاشت معه الحدود بين الدولة والحزب والشخص.
     
    ويبدو أن حركة النهضة التي كثيرا ما استشهدت بالنموذج التركي في العديد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا ترى غضاضة في استحضاره خلال سعيها إلى السيطرة على الأقطاب الثلاثة للسلطة.
     
    فأن تنخرط حركة النهضة في الانتخابات التشريعية والرئاسية، بالوجوه الأبرز في صفوفها وبالقيادات المؤسسة، هو دليل على أن الحركة جادة في الوصول إلى الرئاسة والبرلمان على الأقل، ومهتمة أيضا بكرسي الحكومة في القصبة الذي نرجح بأنها ستفاوض به وعليه، الأحزاب التي ستدق أبواب مقر الحركة بعد أن أعلت خطابها السياسي الضدي نحوها.
     
    والحقيقة السياسية، أنّ ضعف التركيبة السياسية في البلاد وهوان التنظيمات الحزبية وانقسام “الكتلة التاريخية الوحيدة” في تاريخ البلاد ممثلة في نداء تونس، سمحت كلها لحركة النهضة بالتفكير خارج حساباتها وحدودها السياسية المعتادة، وباستدرار إرهاصات النموذج التركي الأقرب إلى عقل ووجدان الإسلاميين التونسيين.
     
    تعلّمنا التجربة السياسية التونسية أنّ الفعل السياسي المؤثر والمباشر، موجود في ثلاثة أماكن، في المنظمات النقابية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي الإدارة التونسية التي تفرض منطقها في الظروف الحساسة والمفصلية، وفي المساجد حيث تُرسم هناك سرديات المظلومية الدينية والهويات المستهدفة، وقد استثمر الإسلام السياسي كثيرا من الخطب والدروس الدينية، حتّى وإن كان من باب الإنصاف التأكيد أن جهدا حقيقا مبذولا قصد إرشاد الخطاب الديني.
     
    في ضوء ما تقّدم من فرضيات وسيناريوهات، هل سيلعب الاتحاد العام التونسي للشغل دور التعديل الرمزي والسياسي للمشهد الذي يبدو أنه لن يكون متوازنا بالمرة، أم أنّ “أحزاب الإدارة” قد تقلب الموازين وتفرض بذلك شروطها في التوافق السياسي؟
     
    الفرضيات كثيرة، والسيناريوهات عديدة، ولكن قد يكون حبل النجاة مقدّما من الذكاء الانتخابي، للخزان الاقتراعي الوطني، الذي كثيرا ما عبّر عن ذكاء جمعي في توزيع الأصوات قصد فرض التوازنات ورفض التغوّل، وقطع الطريق نحو نماذج سياسية جُربت فأذنت بالخراب.
     
     
    أمين بن مسعود
    كاتب ومحلل سياسي تونسي
     
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.