تابعنا على فيسبوك

    
    أخلاقيات المهنة- "لعنة أخبار الوفاة" الكاذبة تصيب الصحافة التونسية أخلاقيات المهنة- "لعنة أخبار الوفاة" الكاذبة تصيب الصحافة التونسية

    أخلاقيات المهنة- "لعنة أخبار الوفاة" الكاذبة تصيب الصحافة التونسية

    By متابعات / شؤون وطنية / الإثنين, 11 تشرين2/نوفمبر 2019 14:57
    الصحافيون يجنون عواقب الاستهانة بما هو بدائي في العمل الصحافي.
     
    تداولت صحف إلكترونية من بين الأكثر متابعة في تونس ووكالة الأخبار الرسمية وأحزاب على صفحاتها ومسؤولون كبار في الدولة “خبر وفاة” الرئيس التونسي السابق محمد الناصر، دون مصدر، كما حدث تماما قبل فترة قصيرة بإعلان وفاة الرئيس التونسي الأسبق الباجي قائد السبسي أثناء مرضه، ما يعني أن الصحافة لم تتعلم الدرس، واستمرت الاستهانة ببدائيات العمل الصحافي.
     
    بعد نحو خمسة أشهر من دخوله مقبرة توت عنخ أمون توفي عالم الآثار الإنكليزي اللورد كارنارفون في 5 أبريل 1923 ثم لحق به ثلاثة آخرون من بعثة الحفريات بين أبريل وسبتمبر من العام نفسه، ثمّ آخرون عام 1924 ثم العالم هوارد كارتر الذي يقال إنه هو الذي اكتشف المقبرة. وتداولت صحف العالم ما أصبح يسمّى بلعنة الفراعنة دون فهم الظاهرة.
     
    عام 1980، بعد نحو ستين عاما من فتح المقبرة، ذكر ريتشارد أدامسون، مكلف البعثة بالشؤون الأمنية، أن موت زملائه كان طبيعيا، وأن لعنة الفراعنة كانت حيلة من تدبير هوارد كارتر أوحى بها للعامة وللصحف، لإثناء اللصوص عن سرقة كنوز المقبرة. تلك قصص خبرية، من بين قصص كثيرة أخرى، تظهر أن وراء اختلاق الأخبار أهدافا لمن اختلقها.
     
    ولا يُعقل أن يكون اختلاق “خبر” وفاة الرئيس التونسي السابق محمد الناصر بريئا إذ لا يمكن افتراض أنه للهو، كما يحدث أحيانا مع بعض الأخبار المختلقة. فقد تداولت صحف إلكترونية من بين الأكثر متابعة في البلاد ووكالة الأخبار الحكومية-العمومية وأحزاب حاكمة على صفحاتها ومسؤولون كبار في الدولة “خبر الوفاة” في الليلة الفاصلة بين الجمعة والسبت حتى خرج الرجل صباح السبت يكذب موته. إنها لعنة الصحافة التونسية.
     
    سيقتضي فضح مختلق الخبر، إنْ حدث، وقتا طويلا وأيا كانت نتيجة البحث والتحقيق وسواء أطال الزمان أم قصر فلن يغير ذلك من الأمر شيئا في شأن مسؤولية المؤسسات التي نشرت “الخبر”. فالمؤسسات الصحافية مسؤولة والصحافيون كذلك وهي مسؤولية ثابتة لا تقبل جدلا لأن الخطأ بدائي لا يُعذر حتى المبتدؤون من الصحافيين بارتكابه.
     
    أوردت الصحف “خبر” وفاة محمد الناصر دون ذكر أي مصدر وكذلك فعلت النائبة الثانية لرئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة على صفحتيهما ثم الحركة نفسها على موقعها. وإن كان أولئك في حل من كل قيد مهني في النشر فإنه لا يُقبل أبدا أن ينشر صحافي أخبارا لا يذكر مصادرها، فتلك آلية كالقفازين في يدي الجراح. والسكوت عن المصدر في الخبر إقرار صريح بأن الصحافي هو مصدر نفسه عندما يكون شاهدا فينقل ما رأى وما سمع. ولا أحد رأى الرجل يموت فهو حي.
     
    لقد كان بإمكان الصحافيين أن يجربوا صياغة “الخبر” على نحو يقولون فيه “نشر رئيس حركة النهضة على صفحته أن محمد الناصر توفي”. كان بإمكانهم أن يقللوا من وطأة الأمر على أنفسهم عندما يتحدث الميت حيا في الإذاعات. وكان بإمكانهم أن يتفطنوا للكارثة عندئذ ليسألوا أنفسهم ما بال الغنوشي يفعل؟ بأي صفة؟ أليست عائلته أو أطباؤه أولى بذلك؟
     
    لا أحد أورد مصدرا ولا أحد كلف نفسه عناء سؤال القائمين على المستشفى الذي قالوا إنه كان يرقد فيه. وكانت المهنة تقتضي تحري الأمر هناك قبل إعلان الوفاة الكاذب. إنها لعنة الصحافة التونسية التي تنشر أخبارا لقيطة بلا مصدر ودون الجواب عن أربعة أسئلة يتعلمها الصحافيون في خطوتهم الأولى. من؟ من توفي؟ من أعلن ذلك؟ من المخول قبل غيره للإعلان؟ من علم من أهله بالأمر؟ هل هم على علم بوفاته قبل اكتشافها في الصحافة؟ أين؟ أين يرقد المريض؟ متى؟ متى دخل المستشفى؟ هل دخله أصلا…لا شيء. مات وكفى.
     
    عاين الصحافيون السبت عواقب الاستهانة بما هو بدائي في العمل الصحافي ومبدئي. أجابوا عن سؤال ونصف من أربعة… ما يشبه “ربع خبر”. هل يمكن الخوض بعد ذلك في مسائل أشد تعقيدا كدور الصحافة في الحياة العامة وفي الديمقراطية وفي التعديل؟ هل يمكن لمن لا يدرك ذلك أن يتحدث عن استقصاء أو تفسير أو رأي؟ هل يجوز بعدها أن يقبل الناس بلاتوهات يتجادل فيها من لا يفقه أركان الخبر؟ أليس الخبر عصب الصحافة؟ وهل يستقيم السمع والبصر واللسان بلا عصب؟
     
    مسؤولية الصحافيين عن خبر الوفاة ثابتة لا تقبل جدلا لأن الخطأ بدائي لا يعذر حتى المبتدؤون من الصحافيين بارتكابه
     
    تمر “الأخبار” كل يوم كثيرة وسريعة بلا مصادر. لا نراها لأنها لا تروي لنا موت الأحياء ولا حياة الموتى كما جرى مع محمد الناصر والباجي قائد السبسي وغيرهما ممن يكون موتهم أقل وقعا على الحياة العامة. لقد حان وقت الصرامة في مساءلة المستهينين بالأبجديات، كما حان الوقت لمساءلة المصادر المعطلة لعمل الصحافيين. صحيح ألاّ عذر لصحافي ينشر بلا مصدر غير أن الصحافيين يعانون من مصادر تضيق عليهم معتقدة أن المعلومات جعلت للحجب.
     
    يتعامل الصحافيون مع صنفين من المصادر، مصادر مؤسسية وأخرى غير ذلك. فإذا كان لا سلطان للصحافي على عابر سبيل يرفض الإدلاء بمعلومات عن جريمة لمحها في سبيله فالأمر مختلف عندما يطلبها من مؤسسة رسمية. يعاني الصحافيون من شح المعطيات ومن تلكؤ المصادر في وزارات ومنشآت ومؤسسات وهيئات… ولا أحد يمكنه المحاجّة بقانون النفاذ إلى المعلومات إذ لا عاقل يطلب من صحافي انتظار أسبوعين للحصول على معلومة يحتاج إليها وقتها.
     
    إن المعلومات التي تكون بحوزة تلك المؤسسات فتحجبها على الصحافي تجهل أنها تحجبها عن المواطن وأن تيسير عمل الصحافي هو تسهيل لحياة الناس، فالصحافي ينتج مضمونا يكون ملكا عاما مشاعا بين المواطنين من حقهم أن يطلبوه ومن واجبها أن تستجيب له. فإن لم تمكّن مؤسسات الدولة الصحافيين من المعلومات فلمن تحتفظ بها؟ ألم يكن من واجب البرلمان، لا نائبة رئيسه، ومن واجب المستشفى أن ينفيا إقامة الرجل في المستشفى؟ أليس ذلك وجها من أوجه خدمة المواطن؟
     
    يعاني الصحافيون من ظروف عمل مزرية تمنعهم من إنتاج صحافة جيدة ويعلم مشغلوهم أنهم يشتغلون أحيانا كثيرة بالنسخ واللصق مما حدا بهم إلى نسخ ما قالته النائبة أو ربما رئيس حركة النهضة. هم يفعلون لأن الواحد منهم ينجز عمل ثلاثة أو أربعة. ويثير ذلك مسألة تمويل الصحافة إذ لا صحافة جيدة بلا تمويل مقبول مما يدعو الدولة والمؤسسات الصحافية إلى معالجة معضلة التمويل علاجا جذريا.
     
    ولا مفر من أحد أمرين. إما أن يقتنع المعنيون بالأمر بأن الصحافة الجيدة ضرورة في الديمقراطية، كالماء في الحياة، وإما أن يقروا بأن ذلك من الأساطير وفي كليهما تحمل للمسؤولية. فإن قالوا إنها أساطير فقولهم يعني أن الديمقراطية كذلك، فليرفعوا أيديهم عن الصحافيين بلا حساب. وإن أقرّوا بحاجة المجتمع إلى الديمقراطية وبحاجتها إلى الصحافة الجيدة كحاجة المجتمع إلى التعليم والصحة والنقل والكهرباء والغاز والماء فليبدؤوا بالعلاج لتهيئة الظروف لها.
     
    هناك فرصة للمؤسسات الإعلامية لإعادة النظر في سبل عملها. وسيظهر المستقبل القريب لمن يغمض العينين أن العمل الصحافي أصبح تعاونيا وأفقيا لا عموديا فقط بالنظر إلى كلفة إنتاج الإعلام الجيد وإلى طوفان المعلومات وتعدد المصادر والتلاعب بالأخبار. وهناك تجارب في بلدان أخرى وما الاستقصاء في أوراق بنما إلا مثال عن ذلك. صحف كثيرة في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة يستعين بعضها بالآلاف من المتلقين يمدون يد المساعدة، يكفي أن نذكر منها ميديابارت والغارديان ونيويورك تايمز.
     
    إن في مثل تلك المبادرات لفتة للمتلقين للإسهام حتى بالقليل نصحا أو تصويبا أو إضافة وهي دليل على أن المؤسسة الإعلامية تحترم متلقيها وتنزلهم منزلة الشركاء في الاختيارات التحريرية، وهي فرصة ليطلعوا على واقع العمل لدعم الثقة بين الصحافيين والمتلقين. إن احترامهم من صميم المنتوج الصحافي الجيد ولا تقاس الجودة إلاّ بقيمة ما تقدمه المؤسسات لمن يأخذ عنها.
     
    إن جعل المتلقي على رأس اهتمامات المؤسسة الإعلامية يقود الصحافي إلى أن يسأل نفسه قبل النشر إن كان يقدّم منتوجا جيدا للمتلقي؟ هل الاستهانة بالمصدر في الخبر احترام للمتلقي؟ أليس إهمال التحرّي في ما يُنقل والتمادي فيه حكم على الصحافة بموت بطيء مؤجل قادم لا محالة؟ هل يؤتمن على المشرط من يعجز عن الإمساك بحقنة؟
     
    لقد حان الوقت لجبر العظم وخيط اللحم حتى لا تجري بين الناس مقولة “لعنة الصحافة التونسية” كما تجري بيننا مقولة لعنة الفراعنة. يقول كريس أوجلفي-هيرالد أحد مؤلفي كتاب “توت عنخ أمون: مؤامرة الخروج” متحدثا عن ريتشارد أدامسون الذي ادعى أنه أمين سر لعنة الفراعنة إنه كان “ميكانيكيا وكان محتالا”.
     
     
    محمد شلبي
    باحث تونسي في الإعلام
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.