تابعنا على فيسبوك

    
    إلياس الفخفاخ.. مقامرة مفخخة بألغام الترضيات إلياس الفخفاخ.. مقامرة مفخخة بألغام الترضيات

    إلياس الفخفاخ.. مقامرة مفخخة بألغام الترضيات

    By متابعات / شؤون وطنية / الخميس, 23 كانون2/يناير 2020 11:04
    اختيار الرئيس قيس سعيد، إلياس الفخفاخ رئيسا للحكومة يعتبر بمثابة المقامرة الرابحة التي تبقى إلى أن يتم عرض تركيبة الحكومة على البرلمان بطريق مفخخ بألغام الترضيات.
     
    ينطلق رئيس الحكومة المكلف إلياس الفخفاخ في تونس، الخميس، بصفة رسمية في إجراء مشاورات مع الأحزاب البرلمانية والمنظمات الوطنية حول برنامج حكومته وفريقها الوزاري. مهمة تبدو أسهل بكثير مما اعترض حكومة الحبيب الجملي من مطبات في ضوء وجود مؤشرات سياسية تشي بتحصيل الفخفاخ رضا أهم الأحزاب الفاعلة، لكنها مهمة لن تكون في المقابل محصنة من الترضيات والمحاصصات التي تتقاطع فيها النوايا والمسارات داخليا وخارجيا.
     
    تونس- تشير كل المعطيات السياسية في تونس إلى أن الرئيس قيس سعيّد تمكّن من النجاح مبدئيا في تخطّي أول حواجز تشكيل ما يعرف إعلاميا في تونس بـ”حكومة الرئيس”.
     
    وضرب سعيّد إثر تكليف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة موعدا آخر مع جماهيره الانتخابية يوصف بأنه لحظة انتصار لوعوده الانتخابية على خلفية ما بدا من ارتياح بين صفوف من انتخبوه.
     
    حين طُرحت مسألة من هو الأقدر الذي سيختاره قصر قرطاج لتشكيل الحكومة الجديدة، كان أمام الرئيس العديد من الفرضيات التي تترجم بالنهاية شكل ومضمون المقاييس التي سيرجح على إثرها كفة مرشح على آخر من بين الأسماء التي طرحتها الأحزاب البرلمانية المعنية بالحكم.
     
     

    رهان قصر قرطاج
     
    كان أمام الرئيس عدة خيارات، منها ما يقوم أساسا على منطق كمي يضع في حساباته وجوب إحاطة رئيس الحكومة المكلف بحزام سياسي يضمن لها ورقة العبور في البرلمان، ومنها ما يقوم على توجّهات سعيّد الخاصة والمبنية على تلبية تطلعات جماهيره الداعية لتعيين شخصية تسلك منهج الثورة وتقطع مع كل من حكم بعد ثورة جانفي 2011.
     
    لكن قيس سعيّد لم يحصر نفسه لا في زاوية الخيار الأول ولا في ركن الخيار الثاني، بل اختار التوفيق والدمج بين الخيارين، فرجّح كفة إلياس الفخفاخ، أولا لإرضاء الشباب المتحمّس الداعم له والذي اقترح عليه في حملة “يزيهم” (كفاكم) خمس شخصيات من بينها الفخفاخ، وثانيا لاستمالة الأحزاب البرلمانية التي تقدم نفسها للشعب على أنها منخرطة في الخط الثوري.
     
    يوصف قرار قيس سعيد باختيار الفخفاخ بأنه بمثابة المقامرة الرابحة التي تبقى إلى أن يتم تقديم تركيبة الحكومة ومن ثمة عرضها على البرلمان بطريق مفخخ بألغام الترضيات على أكثر من صعيد تتلازم فيه ثنايا الداخل بتحديات الخارج.
     
    يدرك الرئيس التونسي أن الأحزاب وإن بدا أكثرها متفاعلا بشكل إيجابي مع هذا الحدث ومنها حركة النهضة وحزب تحيا تونس والتيار الديمقراطي وبدرجة أقل حركة الشعب ما يجعل أمر تمرير الحكومة في البرلمان وتحقيق نصاب 109 نائب لنيل الثقة أمرا سهلا، أنه الآن سيكون المسؤول رقم واحد مستقبلا عن نجاحات الحكومة أو إخفاقاتها ولذلك من غير المستبعد أن تكون له أيضا أدوار هامة وكلمة في مشاورات ونقاشات تركيبة الحكومة.
     
    ولا يعد إلياس الفخفاخ لاعبا سياسيا جديدا فهو من كوادر حزب التكتل الديمقراطي الاجتماعي الذي كان في الحكم إبان حكومات الترويكا بين 2011 و2013 مع حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يتزعمه الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، كما أنه حظي خلال الفترة المذكورة بتقلد حقيبتين وزاريتين، وزارة السياحة في حكومة حمادي الجبالي ووزارة المالية في حكومة علي العريض.
     
    أدخلت “حكومة الرئيس” جرعة سياسية على رأس الحكومة المرتقبة وهو ما يطرح قبل بدء المشاورات الرسمية، الخميس، حزمة من الأسئلة حول شكل حكومة الفخفاخ، هل ستكون حكومة كفاءات أم أنها ستكون سياسية في ضوء اتفاقات تحصل مع الأحزاب التي قد تشكل له حزاما سياسيا.
     
    يقال إن مهمة الفخفاخ ستكون أسهل بكثير من سلفه الحبيب الجملي الذي أسقطت حكومته في البرلمان على اعتبار أن تقديم الأحزاب لأكثر من أربعين اسما لرئيس الجمهورية لتكليفها بتشكيل الحكومة سيجعل من أمر اختيار رئيس الحكومة المكلف لفريقه الوزاري ميسّرا وغير محفوف بلاءات كثيرة من الأحزاب.
     
    كما تشي مواقف أهم الأحزاب الفاعلة أنها ذاهبة إلى تمرير الحكومة، فحتى حزب قلب تونس ولئن كانت له اعتراضات على تسمية الفخفاخ، فإنه من المرجح أن يزكي الحكومة الجديدة بمنطق المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، كلها مؤشرات تؤكّد أن رئيس الحكومة المكلف في وضع قوة لا ضعف إذا وضعنا أيضا عاملا آخر وهو تخوف بعض نواب البرلمان الذين قد يجبرون على التصويت لفائدة تمرير الحكومة توجّسا من كابوس الانتخابات المبكرة وخسارة مغريات مجلس نواب الشعب.
     
     

    تحديات
     
    وسط كل هذه المؤشرات الإيجابية تبقى العديد من الاعتبارات الأخرى مهمة خاصة في ما يتعلق بكيفية المشاورات، فهل ستكون أولوية الفخفاخ هي نيل ثقة البرلمان مهما كان الثمن حتى وإن كان ذلك بالخضوع لإملاءات الأحزاب؟ أم أنها ستكون قائمة على ما يريده الرئيس؟ أم ستضع على رأس الاهتمامات وجوب نيل ثقة الشركاء الاجتماعيين في الداخل والشركاء الاقتصاديين في الخارج؟
     
    رغم أن تسمية الفخفاخ وصفت بأنها وليدة صفقة سياسية هندسها رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد الذي كان أول من اقترح الفخفاخ لهذا المنصب ومن ثم تبعه حزب التيار، فإنه يوجد إجماع مواز يقول إن قيس سعّيد بدأ بدوره في مرة من المرات القلائل يغوص في ممارسة الفعل السياسي ويتقن قراءة الحسابات لا داخليا فحسب بل أيضا خارجيا.
     
    علاوة، على ذهاب الرئيس سعيد لإرضاء قواعده، فإنه أراد أيضا من خلال طرح اسم الفخفاخ الانعطاف قليلا بالانقلاب على بعض مواقفه التي بدت متصلبة مع بعض القوى الخارجية وخاصة الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي والتجاري الأول لتونس.
     
    وبني تصور قصر قرطاج على أن تونس ستصطدم مستقبلا بتحديات هائلة على رأسها المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وأيضا دول الاتحاد الأوروبي خاصة في ما يتعلق بما يدفع إليه سعيّد من وجوب مراجعة لبعض الاتفاقيات ومنها اتفاقية التبادل التجاري الحر مع الاتحاد الأوروبي “الأليكا” ولذلك استقر القرار على الفخفاخ الذي لا فقط يحمل جنسية فرنسية بل له علاقات طيبة ووثيقة مع شركاء تونس على ضفة البحر الأبيض المتوسّط.
     
    لكن يبقى الحكم النهائي على خيار سعيّد وإن كان حكيما وفق بعض المحللين، مؤجلا إلى أن تُكشف تركيبة الحكومة الجديدة خاصة في ظلّ دفع بعض الأحزاب إلى تحويل وجهة المشاورات مجددا نحو المحاصصة المستحيلة.
     
    أدخلت "حكومة الرئيس" جرعة سياسية على رأس الحكومة المرتقبة وهو ما يطرح قبل بدء المشاورات الرسمية، الخميس، حزمة من الأسئلة حول شكل حكومة الفخفاخ، هل ستكون حكومة كفاءات أم أنها ستكون سياسية
     
    في كل هذا لا يمكن أخذ مسألة تشكيل الحكومة الجديدة ببساطة دون الرجوع قليلا إلى الوراء بالتمعن في كل الشعارات التي كان يرددها الفخفاخ الذي كان بدوره مرشحا للرئاسة في أواخر 2019 وقدّم للناخبين العديد من الوعود في مختلف المجالات، فهل سيرضي بالنهاية رئيس الحكومة المكلف تصوراته أم توجهات من كلفه أم رغبة من سيصوت له في البرلمان؟
     
    إن حزب التكتل الديمقراطي الذي ينتمي إليه الفخفاخ، كان حزبا معارضا في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ثم دخل منظومة الحكم من بوابة حكومة الترويكا مع الإسلاميين، كما أنه حزب يقدم نفسه على أنه ليبرالي حداثي متمسّك في الوقت نفسه بالبعد الاجتماعي، إلا أن إلياس الفخفاخ يعرف في الدوائر الضيقة لحزبه بأنه الأكثر ميلا لليبرالية ولنظرية السوق الحرة.
     
    هذا المعطى الأخير، لم يخفه الرجل خلال حملته الانتخابية الرئاسية، حيث تحدث عن وجوب تنمية علاقات تونس بشركائها الدوليين خاصة صندوق النقد الدولي وهو ما قد يدخله في حرب معلنة مع الاتحاد العام التونسي للشغل الذي ولئن أبدى موافقته المتحفظة على الفخفاخ، فإنه لن يبقى مكتوف الأيدي حاضرا ومستقبلا ولن يكف عن مهاجمة أي حكومة يعتبرها مرتهنة إلى ما يسميه صناديق ما وراء البحار.
     
    إن مهلة شهر يمنحها الدستور للفخفاخ انطلقت من الثلاثاء لتشكيل حكومته وإن بدت في طريقها إلى المرور في البرلمان ستكشف حتى قبل البدء في مغامرة الحكم، أولا  شخصية رئيس الحكومة المكلف وثانيا قدرته على إدارة المفاوضات، فهل سيلعب على ورقة إخافة الأحزاب بكابوس الانتخابات المبكرّة أم أنه سيتوخى سياسة ناعمة ترضي الجميع أم سيكون سجينا لمحاصصات الأحزاب وترضيات قصر قرطاج.
     
     
    وسام حمدي
    صحافي تونسي
     
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.