تابعنا على فيسبوك

    
    تونس.. دولة هزيلة المناعة تسابق الزمن الوبائي تونس.. دولة هزيلة المناعة تسابق الزمن الوبائي

    تونس.. دولة هزيلة المناعة تسابق الزمن الوبائي

    By متابعات / شؤون وطنية / الثلاثاء, 17 آذار/مارس 2020 09:59
    جهد وطني كامل لتحمل الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتربوية، لا بد أن يتجه لمصلحة معركة تحديد أولوية الحياة إزاء كل المسائل الأخرى.
     
     
    الخُطوات المعتمدة من قبل حكومة إلياس الفخفاخ والتي أخذت منحى تصاعديا في الآونة الأخيرة، تُشير إلى أن الدولة التونسية تُسابق الزمن الوبائي لمرض كورونا والذي تسلل إلى العديد من المُحافظات التونسية وسجل إصابات تجاوزت العشرين.
     
    تخوض حكومة الفخفاخ حربا ضروسا مع الزمان الوبائي، مستعينة بالمقاربة الوقائية للإجراءات، وبالسعي إلى التقدم خطوة عن المرض العضال الذي يخشى الجميع تفشيه في ظلّ قلة ذات اليد وافتقار الجهاز الصحي التونسي للتجهيزات اللازمة لمواجهته.
     
    خلال أقل من أسبوع، تحولت المقاربة التونسية لإدارة الأزمة الصحية من الإجراء التفاعلي اللحظي والحيني، إلى الخطوات الاستباقية، فانتقلت من متابعة المرحلة الثانية من الوباء إلى استباق المرحلة الثالثة إن لم نقل المرحلة الرابعة.
     
    وفي هذه الخطوات الاستباقية، عدة دلائل من بينها أن الدولة التونسية استفادت واستوعبت المحنة الإيطالية والأزمة الفرنسية في التعامل مع كورونا، حيث استهانت الدولتان بالوباء وتأخرت إجراءاتهما كثيرا مقارنة بالزمن الوبائي القاتل، الأمر الذي انجرت عنه المئات من الوفيات اليومية في دولتين كانتا تعبران عن الفرحة وحب الحياة.
     
    ومن بين الدلائل أيضا أن الدّولة التونسية لا يمكنها التعويل على الوعي الجماعي المواطني والذي لم ينضبط خلال الفترة الأخيرة بالشكل المطلوب مع مقتضيات الحالة الوبائية وتعاطى معها بكثير من التهوين.
     
    ولا يمكنها أيضا الركون إلى حالة المرفق الصحي العمومي العاجز عن مُسايرة الأوضاع الطبية اليومية، فما بالك بحالة طوارئ عامة وبإصابات ترتفع يوميا.
     
    ولأنّ الإشكال في عمقه صار على شاكلة مُكاسرة زمنية بين الدولة التونسية والوباء، فإن جُهدا وطنيا كاملا لتحمل الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتربوية، لا بد أن يتجه لصالح معركة تحديد أولوية الحياة على كافة المسائل الأخرى.
     
    وهُنا يكمن الإشكال، كيف للدولة التونسية، حكومة وشعبا، أن تتجاوز أزمة مستعصية على غرار محنة كورونا بالحد الأدنى من الخسائر الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية، ودون أن تُردف للأزمات التنموية القائمة مآسي اجتماعية قادمة.
     
    وهُنا تتضح القيمة المعرفية لنموذج الكتلة التاريخية، لا فقط في صيغتها السياسية والإستراتيجية، بل في صبغتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية. فتونس اليوم بحاجة إلى الكتلة التاريخية الوطنية الصماء، من أجل ضبط الأولوية الأساسية الكامنة في النجاة الجماعية من جائحة كورونا، والاتفاق على التحمل المشترك لأعباء تجاوز الأزمة.
     
    تونس بحاجة إلى استحداث كتلة تاريخية من المنظمات الاجتماعية والأحزاب والمجتمع المدني والقوى الحية في المجتمع، من أجل توسيع الخزان الإستراتيجي لتحمل أعباء الحرب ضد الوباء.
     
    ومع هذا فإنّ بلادنا في حاجة في وقت لاحق إلى مُراجعة عميقة لنموذج الخيارات الليبرالية للدولة الوطنية لاسيما في قضايا الصحة والتعليم والسكن.
     
    فعندما يتم استفراغ الدولة من استحقاقاتها الاستشفائية حيال المواطن، ولما يتم أيضا استفراغ مجال الصحة من ملامح العمومية، تصبح المستشفيات الحكومية عبارة عن مدافن جماعية ومجالات لاستشراء الأمراض، وتصبح المصحات الخاصة عبارة عن فضاءات تجارية صرفة مغلقة للأثرياء والمستطيعين، القادرين على اشتراء الشفاء بالمال والعافية بالنقود.
     
    على هذا الأساس نتفهم القلق الشديد الذي يبديه وزير الصحة في تونس خاصة، وفي بعض الدول العربية والأوروبية عامّة، وسعيه إلى التقليل الشديد من أثر الوباء والحيلولة دون تحوله إلى استحقاق استشفائي في مراكز العناية المشددة، لا فقط لأن تونس لا تمتلك البنية التحتية لمواجهة الوباء، بل لأن مجال الصحة مجال على هامش أولويات الدولة منذ عقدين على الأقل، حيث وقعت الدولة في حقه شبه استقالة ضمنية يقرأها كل زائر للمستشفيات العمومية في البلاد.
     
    وكيف لدولة مثل تونس، يُهاجر أطباؤها سنويا بالآلاف بحثا عن بدائل شغلية أفضل، وتُفرد حكوماتها ميزانيات هزيلة للشأن الصحي، وتعيش مستشفياتها على وقع الإهمال والتجاهل، وتعرف مراكزها الصحية فراغا رهيبا سواء بسبب المتقاعدين الذين لا يعوضون أو المهاجرين الذين لا يعودون، أن تُسجل حضورها القوي والفاعل والاستباقي حيال وباء خطير مثل الكورونا.
     
    لسنا في وارد بث جو التشاؤم، فالثقة في الكادر الطبي الموجود على قلته كبيرة، والشخصية القاعدية التونسية قادرة على تجاوز الأخطار بأقل الأضرار، والأداء الاستباقي لحكومة إلياس الفخفاخ مقبول في العموم، ولكن في المُقابل يجب الاعتبار بأن تونس مطالبة بإعادة قراءة لقيمة نموذج الدولة الراعية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والنظر بعُمق للأضرار الرمزية والمادية التي سيحدثها مزيد الاستجابة لمطالب المانحين الدوليين بالاستقالة من المجالات الإستراتيجية.
     
    إن كان لكورونا من إيجابيات على المستوى البعيد على الأقل، فهي إسقاط الأساطير المؤسسة للدولة الليبرالية والنيوليبرالية، ودحض مقولات التخصيص الكلي للمجالات الإستراتيجية ولاسيما منها الصحة والتعليم والسكن.
     
     
    أمين بن مسعود
    كاتب ومحلل سياسي تونسي
     
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.