تابعنا على فيسبوك

    
    في زمن الوباء.. هل دقت ساعة تعديل النظام السياسي في تونس في زمن الوباء.. هل دقت ساعة تعديل النظام السياسي في تونس

    في زمن الوباء.. هل دقت ساعة تعديل النظام السياسي في تونس

    By / شؤون وطنية / الجمعة, 17 نيسان/أبريل 2020 09:47
    الحفاظ على نظام شبه برلماني هجين بات معركة حياة أو موت لدى الإسلاميين.
     
    وفّر تفشي وباء كوفيد- 19 في تونس، فرصة جديدة للخوض في مدى نجاعة النظام السياسي الذي يقود البلاد منذ عام 2014. واختبر فايروس كورونا مدى صلابة هذا النظام شبه البرلماني بعدما ظهرت إلى العلن معارك الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث؛ البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية، ما دفع بالكثير من الأحزاب إلى التفكير في طرح مبادرات تشريعية تستهدف تعديل النظام السياسي لتمكين جهاز واحد من حكم البلاد ومن ثمة تتم محاسبته وتحميله مسؤوليات الحكم، فيما يعتبر آخرون أن الوقت الحالي لا يحتمل مزيدا من العِراك السياسي.
     
    تونس - مثّل تفشي فايروس كورونا فرصة هامة في تونس للوقوف عند الكثير من العوائق التي رسمها ساسة البلاد منذ فترة الاستقلال وصولا إلى توجهات مؤدلجة أصر على هندستها حكام ما بعد ثورة يناير 2011.
     
    يتابع التونسيون منذ أشهر آخر تطورات الوباء في بلادهم، بعين تركز على الأرقام التي تقدّمها وزارة الصحة في بياناتها بشكل يومي وبعين أخرى تلاحظ وتراقب ما أفرزته وجنته عليهم سياسات عقود من فوارق طبقية وجهوية، علاوة على ما وصل إليه اختبار كورونا لمدى فاعلية وصمود نظام سياسي هجين تم اتّباعه قصدا في فترة ما بعد الثورة.
     
    وتحول الوباء في تونس من مصدر قلق شعبي إلى عامل هام أجج صراعا سياسيا غير خاف بين مكونات الحكم في البلد برلمانا ورئاسة وحكومة عنوانه الأبرز معركة الصلاحيات.
     
    ويتم تسيير تونس منذ عام 2014، بدستور صاغه نواب المجلس التأسيسي واختار أن تُحكم البلد بنظام برلماني معدّل يسميه البعض أيضا بنظام النصف أو شبه البرلماني.
     
    وتمت المصادقة على دستور الجمهورية الثانية في عهد رئاسة المنصف المرزوقي للبلاد ومصطفى بن جعفر للمجلس التأسيسي اللذين أكّدا خلال السنوات الأخيرة في أكثر من مرة أن الدستور الحالي هو الأصلح لقيادة البلاد لكن بشرط أن يطبق الفاعلون السياسيون كل بنوده دون توظيف سياسي عبر استكمال إرساء المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المحكمة الدستورية التي لم تر النور بعد في تونس رغم انقضاء ست سنوات على تفعيل الدستور الجديد.
     
     

    تشتيت الحكم
     
    منح هذا الشكل من النظام السياسي الهجين مجلس نواب الشعب صلاحيات التشريع والرقابة ومنح الثقة للحكومة وسحبها منها والرقابة على عملها، لكنه أعطى رئاسة الحكومة جلّ الصلاحيات التنفيذية، في ما حصر اختصاص رئيس الجمهورية في مربع 3 مجالات فقط هي الدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية.
     
    وتتهم الكثير من الفعاليات السياسية حركة النهضة الإسلامية منذ سنوات بقصدية تعمّد هذا النظام الذي لا يفرز شرعية ولا يمكّن أي طرف ينجح في الانتخابات من الحكم على اعتبار أنها كانت صاحبة أغلبية برلمانية في 2014 تشبثت باعتماد مثل هذا النظام.
     
    وتدعّمت هذه الخلاصة السياسية، في الأسابيع الأخيرة حين عارضت حركة النهضة في بادئ الأمر المصادقة على قانون التفويض لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، لإصدار مراسيم في مجال التشريع في إطار مجابهة فايروس كورونا.
     
    ولئن تم في ما بعد ضغط الأحزاب السياسية والمجتمع المدني المصادقة على القانون المذكور ليفوض بذلك البرلمان سلطة إصدار التشريعات للفخفاخ في المجالات المتعلقة بالوباء، فإن معركة الصلاحيات لم تخفت بعد بين الرئاسات الثلاث.
     
    ويفسر خبراء القانون الدستوري مردّ عناد حركة النهضة الإسلامية ورفضها الخوض في مسألة تعدل النظام الدستوري بتخوفها من أن يُسحب البساط من تحت أقدام رئيسها ورئيس البرلمان راشد الغنوشي الذي يريد مواصلة لعب دور الحاكم في تونس بحكم  الصلاحيات الواسعة التي منحها الدستور للبرلمان.
     
     

    عامل التوقيت
     
    أجبرت كل هذه المطبات رئيس الجمهورية قيس سعيّد على تحريك صلاحية الأمن القومي بإشرافه في أكثر من مرة على مجلس الأمن القومي الذي يخوّل له الدستور اتخاذ ما يراه صالحا للبلاد في الحالات الاستثنائية والقاهرة.
     
    وألمح قيس سعيد في أكثر من تصريح عن رغبته في وجوب تعديل النظام السياسي، كاشفا عن عمق الصراع بين الرئاسات الثلاث بحديثه مثلا في آخر خطاب توجّه به للتونسيين عن ضرورة احترام كل سلطة لصلاحيات الأخرى.
     
    كما أكّد الرئيس التونسي خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي، أنه “لا مجال لأخذ قرارات من قبل أي سلطة محلية أو جهوية من دون الرجوع إلى السلطة المركزية والتنسيق معها”، مشددا على أنّ “هناك دولة واحدة موحدة، ولا مجال في تونس لمن يريد أن يضعف الدولة ومؤسساتها”.
     
    أمام هذه التصدعات التي تزيد في تأزيم الوضع وإثقال كاهل المواطنين بمعارك لا تنفع مستقبلهم، تنقسم مواقف الفاعلين السياسيين إلى قسمين؛ الأول يدافع عن فكرة أن دستور الجمهورية الثانية هو الأصلح لقيادة البلاد شريطة استكمال مبادئه وفصوله بإتمام تركيز الهيئات الدستورية التي لا تزال معطّلة، فيما يدفع القسم الثاني إلى العودة للنظام الرئاسي كي يكون الشعب قادرا في المستقبل على تحميل مسؤولية الحكم لطرف بعينه.
     
    وتقول سعيدة قراش الناشطة السياسية والناطقة الرسمية سابقا لمؤسسة رئاسة الجمهورية في عهد الراحل الباجي قائد السبسي، إن “الإجابة عن سؤال هل حان وقت تغيير النظام السياسي في تونس لا بد أن تخضع لمسألتين هامتين، الأولى مرتبطة بالمطلق وهو هل يجب التغيير؟ حينها تكون الإجابة إجابتي بنعم دون شك”.
     
    وتضيف قراش التي كانت شاهدة على حكم خمس سنوات في عهد قائد السبسي وما كثر فيها من حديث عن عزمه خلال ولايته تقديم مبادرة لتعديل النظام السياسي في تصريح لـ”العرب”، “هذا النظام اختارته الأغلبية السياسية التي أفرزتها انتخابات أكتوبر 2011 التي سيطرت عليها القوى الإسلامية والتي تمثل مسألة الحفاظ على النظام شبه البرلماني لديها مسألة وجود.
     
    وأكدت قراش أنه رغم تقهقر القاعدة الانتخابية للقوى الإسلامية في كل المحطات الانتخابية اللاحقة في تونس فإن ذلك لم يمنعها من أن تبقى القوة السياسية الأساسية المتحكمة بإدارة السلطة وبالقرار السياسي وأن تجني مزايا المشاركة في السلطة ولكن أيضا تحتفظ بمكارم المعارضة وبالتالي التملّص من كل نتائج خياراتها وتبعاتها.
     
    ومنذ عام 2011، شاركت حركة النهضة في هندسة كل الحكومات ورغم كل النتائج الهزيلة اقتصاديا وتفشي الإرهاب الذي أدى إلى اغتيال السياسيين المعارضين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي في عام 2013 وكذلك حصول حوادث إرهابية كثيرة راح ضحيتها العشرات من الأمنيين والعسكريين، فإن الحزب الإسلامي تملّص سياسيا من تحمل المسؤولية لوحده عبر تعويم الأمور بالاستناد على النظام السياسي الذي يحمّل الجميع أعباء الحكم.
     
    وقالت سعيدة قراش إن “ما يميز النظام السياسي الحالي هو تشتيت مراكز القرار وتعقيد آليات اتخاذه وقد تجلى ذلك في صراع الصلاحيات المفضوح عند إدارة أزمة كورونا”.
     
    وعلى الطرف الآخر، تستميت القوى الحزبية المتشبثة بمنطق الثورة في الدفاع عن ضرورة الحفاظ على النظام السياسي الحالي تجنبا للعودة إلى مربع منح كل الصلاحيات لشخص واحد مثلما كان الأمر في عهدي الرئيسين زين العابدين بن علي ومن قبله الرئيس الحبيب بورقيبة وترفض أي حديث عن تقديم أي مبادرات تشريعية في الوقت الحالي لتعديل النظام السياسي.
     
    وقال في هذا الصدد، عصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري إن “الدعوة لتعديل النظام السياسي هي شماعة استعملها كل من ربح الانتخابات وصعد إلى سدة الحكم بعد إقرار دستور 2014 لتعليق صعوبات الفشل عليها عوض البحث عن إصلاح الرؤية السياسية والتوجهات الاقتصادية”.
     
    ويقصد الشابي بالأطراف التي حكمت بعد عام 2014، تحديدا حزب نداء تونس -أسسه الباجي قائد السبسي- الذي كان بمقدوره افتكاك الحكم من حركة النهضة الإسلامية لكنه فشل في ذلك بعدما نخرته الأزمات إلى أن تلاشى وتشظى إلى أكثر من حزب.
     
    وأكد الشابي أنه في كل مرة تتم العودة إلى هذا الجدل وإلى الحديث عن تعديل النظام، قائلا “برأيي النظام السياسي في تونس لم يكتمل بناؤه بعد، المؤسسات الدستورية الأساسية لم تبن بعد وأهمها المحكمة الدستورية”.
     
    وأضاف أن دستور الجمهورية الثانية ينقصه استكمال إرساء هذه المؤسسات ولذلك قد يأتي وقت لتقييم النظام السياسي وتعديله، لكن من غير المناسب أن تنحصر قضايا التونسيين راهنا في قضايا الترف الفكري السياسي بحسب تعبيره.
     
    وأوضح أن المطلوب حاليا هو تغيير منوال التنمية خاصة أن أزمة كورونا أثبتت أن الخيارات الاقتصادية التي سادت قبل الثورة وبعدها هي خيارات بالية، فقطاعات الصحة والتعليم والنقل كلها قطاعات باتت في حاجة إلى ثورة جديدة.
     
     

    حرب الصلاحيات
     
    بخصوص ما حصل مؤخرا من معركة صلاحيات بين الرئيس قيس سعيّد ورئيس الحكومة إلياس الفخفاخ من جهة وبين رئيس البرلمان راشد الغنوشي من جهة أخرى، يعتبر الكثير من المتابعين أن حركة النهضة التي بدأ ينفد خزانها الانتخابي باتت تضع في حساباتها معركة الحفاظ على النظام شبه البرلماني في الخمس سنوات القادمة بمثابة حرب وجود وحرب حياة أو موت.
     
    ولا تتعلّق هذه المعركة فحسب بحركة النهضة برمتها بل برئيسها راشد الغنوشي المحكوم أيضا بحسابات حزبية داخلية يريد عبرها الحفاظ على مكانته أولا داخل الحركة وثانيا في حكم البلاد خاصة أنه لم يعد يحق له بموجب اللوائح الداخلية لحزبه الترشح في المؤتمر القادم المؤجل إلى موعد غير معلوم لرئاسة الحركة.
     
    وقالت قراش إن “حركة النهضة بصفتها حزبا عقائديا ولد ونشأ وتطور في السرية، هي حزب منغلق في مشروعه المجتمعي، كلياني في فهمه للسلطة وممارسته لها، لذلك لا يمكن أن يقبل بالتخلي عن النظام السياسي الذي سطره قصدا في إطار مقاربة استراتيجية وعميقة هدفها التغول في حكم البلاد.
     
    وأكدت أن حركة النهضة الآن باتت في مرمى الانتقادات من خلال الحديث عن ضرورة تغيير النظام الانتخابي والترفيع في العتبة وهذا في حدّ ذاته إقرار بالنقائص ولكن حتى الطرح السياسي المقدم بحسب تعبيرها فإنه يعزز نفوذ النهضة وبالتالي يعمق النظام السياسي القائم ويخنق بعض المنافذ التي لا زالت متاحة لبقية القوى السياسية من أجل الوصول إلى البرلمان وإمكانية تشكيل تحالفات تحدّ من جموح النهضة في الاستحواذ على السلطة رغم تقهقر قاعدتها الانتخابية وتراجع تمثيليتها المجتمعية.
     
    لكن وعلى عكس الأطراف التي تدفع إلى فتح نقاش سياسي معمّق حول النظام السياسي الأصلح لحكم البلاد مستقبلا، ترى أطراف أخرى أن التوقيت غير مناسب في وقت تحارب فيه البلاد سلطة وشعبا جائحة كورونا.
     
    وقال عصام الشابي في تماه مع التصور الأخير، إن “إثارة الدعوات لتعديل النظام في هذا التوقيت بالذات يكشف عدم قدرة أصحابها على الإجابة على الأسئلة الحقيقية وهي سياسة الهروب إلى الأمام وإلهاء الرأي العام بقضايا ستطرح يوما ما لكن ليس هذا وقتها المناسب فالبلاد الآن أمام تحديات أخرى وملفات حارقة في انتظارها، إن تونس بحاجة إلى معالجة الانتقال الاقتصادي المأزوم”.
     
    وأكد أن روح النظام السياسي الحالي بنيت على قاعدة  منع هيمنة أي طرف على الحياة السياسية وهو من عيوب الفترة السابقة، كما أن هدفه يعكس البرلمان إلى حدّ كبير حجم التعددية في المجتمع دون هيمنة حزب وكانت هذه رؤيتنا للنظام السياسي وليس من زاوية كيف نعزز الهيمنة كما فعلت حركة النهضة وحزب قلب تونس بدعهما قانون العتبة الانتخابية الذي لم يكن لرغبتهما في تطوير النظام الانتخابي بل لتعزيز نفوذهما وسطوتهما على مؤسسات الدولة.
     
    وتوافق قراش على ما طرحه الشابي بقولها أيضا في ما يتعلق بمسألة التوقيت “أعتقد أنه علينا أن نتفق أولا أن السياسة هي موازين قوى والعبرة فيها تكون بالنتائج ولذلك قبل البداية في خوض أي معركة يجب توفر وضوح الرؤى والأهداف، فالطيف السياسي الذي يتفوق على الإسلاميين من حيث القاعدة المجتمعية والاجتماعية وحتى الانتخابية أثبت في كل المحطات الانتخابية السابقة أن له قاعدة في عمومها ممتدة عدديا لكن في المقابل له قدرة على الانشطار وعدم التنسيق والتوحيد في جبهات انتخابية وتحالفات برلمانية ثابتة تمكنها بالنهاية من طرح تصوراتها لما تراه صالحا من نظام سياسي لقيادة البلاد.
     
     
    وسام حمدي
    صحافي تونسي
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.