تابعنا على فيسبوك

    
    الغنوشي والنهضة.. وخسارة أوراق المناورة الغنوشي والنهضة.. وخسارة أوراق المناورة

    الغنوشي والنهضة.. وخسارة أوراق المناورة

    By متابعات / شؤون وطنية / الأحد, 17 أيار 2020 10:43
    خروج خلافات الرئيس قيس سعيد والنهضة إلى العلن سيجعل كل الأحزاب التي كانت مترددة تُجاهر بعدائها للغنوشي وحزبه.
     
    فتح بيان حركة النهضة الإسلامية الأسبوع الماضي الباب أمام الحديث عن التجاذبات السياسية وتغير موازين القوى داخل البرلمان التونسي حيث تتوجس الحركة من تشكيل “كتلة وطنية” يجتمع فيها مناوئوها لحشرها بعيدا عن دوائر الحكم.
     
    وبعد أن نجحت في تجاوز أزمة كورونا العاصفة، من المتوقع أن تشهد تونس زخما كبيرا داخل البرلمان سيفضي في نهاية المطاف إلى إعادة رسم الخارطة السياسية في البلاد.
     
    ويرجح مراقبون أن تكون حركة النهضة الإسلامية، التي تبوأت المرتبة الأولى في انتخابات 2019 التشريعية، من أبرز الأحزاب التي سيضعف موقفها أكثر.
     
    وخلال الأزمة الصحية نجحت الأحزاب المعارضة في التشكيك في نوايا الحركة الإسلامية خاصة بعد أن عمدت الأخيرة لحشر البلاد في لعبة المحاور لاسيما في ما يتعلق بالملف الليبي ومحاولات توسيع نفوذ تركيا وقطر في تونس.
     
    ودفعت الحركة بمشروعي قوانين قالت إنهما يستهدفان تقوية شراكات تونس مع الدوحة وأنقرة، لكن معارضيها اتهموها بـمحاولة “بيع تونس لقطر وتركيا”.
     
    ولعل أبرز الأحزاب التي سعت إلى قطع الطريق أمام التصويت على هاتين الاتفاقيتين الحزب الدستوري الحر الذي نجح في لفت النظر إليه مع بداية تفتت أحزاب معارضة أخرى على غرار قلب تونس.
     
    ويبني الدستوري الحر، الذي تتزعمه عبير موسي، برنامجه على العداء للإسلام السياسي والدفاع عن الدولة المدنية.
     
    وبالرغم من فشلها في المرور إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية العام الماضي إلا أن زعيمة الحزب ناجحة إلى حد الآن في توسيع قاعدتها الجماهيرية وخطف الأضواء أكثر مستفيدة من أخطاء النهضة وتفكك قلب تونس.
     
    وعند الحديث عن الأزمة التي تعيشها حركة النهضة لابد من العودة إلى مسبباتها التي تعد أبرزها داخلية ونابعة من تشدد راشد الغنوشي في قيادة الحركة.
     
    فبعد أن فاجأ الجميع بإعلانه الترشح للانتخابات التشريعية بغية ترؤس البرلمان، وهذا ما حصل، أصبح الغنوشي يدرك تماما أن هذا الخيار تسبب له في ورطة يصعب التخلص منها أو التكهن بخاتمتها.
     
    وتحاول عبير موسي حشد دعم وتأييد الأحزاب الوسطية والشارع للإطاحة برئاسة الغنوشي لمجلس النواب، ودخلت لهذا السبب في اعتصام مفتوح في البرلمان.
     
    على صعيد آخر تجد حركة النهضة نفسها اليوم أمام مأزق انهيار العقد الذي وقعته مع مكونات الائتلاف الحاكم وتوجه كتل نيابية من هذا الائتلاف وأخرى من خارجه لاستبعادها من الحكم.
     
    وخسرت حركة النهضة ورقة قلب تونس (ليبرالي، 38 نائبا) التي كانت تراهن عليه لبناء تحالفات مع ائتلاف الكرامة الشعبوي (21 نائبا) للإطاحة بحكومة الفخفاخ أو إقصاء أحزاب أخرى على خلافات معها من الائتلاف الحكومي.
     
    وضربت الاستقالات قلب تونس ليجد نفسه هو الآخر منهكا بالرغم من أنه لم يمر الكثير على تأسيسه ما جعل مراقبين يرجحون أن الحزب سيشهد نفس مصير نداء تونس الذي فاز بانتخابات 2014 لكنه تفكك بعد ذلك.
     
    علاوة على ذلك، حاولت حركة النهضة تصدير أزمتها الداخلية حيث تتحدث الكواليس عن نوايا لترحيل مؤتمر الحزب الحادي عشر ليكون وباء كوفيد – 19 بمثابة المنقذ لزعيم الحركة من أجل إرجاء المؤتمر إلى حين.
     
    والأسبوع الماضي قام الغنوشي بحل المكتب التنفيذي للحزب في خطوة تؤكد الخلافات التي تشق طريق النهضة.
     
    وإلى أمد غير بعيد كانت حركة النهضة تتباهى بالتماسك داخلها، لكن الاستقالات دحضت هذه النظرية حيث انسحب قياديون بارزون على غرار عبدالحميد الجلاصي وزياد العذاري وزبير الشهودي من الحزب.
     
    وليس ببعيد عن حركة النهضة، يعيش شريكها في الحكم التيار الديمقراطي (يسار اجتماعي) نفس الوضعية الصعبة بعد أن خفت بريق الأسماء اللامعة التي كانت تقود الحزب على غرار محمد عبو وزوجته النائبة سامية عبو بسبب المشاركة في الحكومة.
     
    وقيادات التيار الديمقراطي مثلت في السنوات الأخيرة الصوت الذي يصدح بالحق في نظر شق كبير من التونسيين حيث يطالب بضرورة مكافحة الفساد في تونس وإنهاء تبعيتها إلى هيئات دولية على غرار صندوق النقد الدولي.
     
    ولعل الأزمة التي لم تخرج إلى العلن بعد داخل الحزب أعمق بكثير من أزمته الخارجية حيث لم ينجح حتى في إعادة توزيع المهام بعد تفرغ أبرز قياداته (محمد عبو وغازي الشواشي ومحمد الحامدي) للعمل الوزاري.
     
    في المقابل لا يزال حزب حركة تحيا تونس، الذي يتزعمه رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، يُكافح من أجل إعادة المسك بزمام الأمور رغم تمثيليته الضعيفة في البرلمان (14 نائبا).
     
    فحزب الشاهد الذي يعد مكونا من مكونات الائتلاف الحكومي لا يُسمع له ضجيج في ظل تحديات كبيرة.
     
    ولا يزال هو الآخر عاجزا على إعادة توزيع الأدوار في بيته الداخلي حيث يتولى أمينه العام قيادة وزارة الاستثمار والتعاون الدولي.
     
    في الجهة المقابلة يقف حزب حركة الشعب (قومي) ليستقوي بشرعية الرئيس قيس سعيد في خلافاته مع الإسلاميين.
     
    وبالرغم من أن تمثيليتها في البرلمان ضعيفة مقارنة بأحزاب أخرى إلا أن حركة الشعب نجحت في خطف الأنظار على الساحة السياسية من خلال طرح مقترح تشكيل ”حكومة الرئيس” بعد سقوط حكومة الحبيب الجملي الذي كلفته حركة النهضة.
     
    وحتى الآن تُكابد حركة الشعب من أجل إقصاء شريكها حركة النهضة من الائتلاف الحكومي.
     
    في المحصلة يعيش المشهد البرلمان التونسي على رمال متحركة حيث تخوض حركة النهضة معركة طويلة الأمد لكنها ستنهكها حتما بالنظر إلى اجتماع كل “الأعداء” على ضرب رمزية زعيمها وتقليم أظافر حلفائها في الداخل. ومما لا شك فيه أن الحزب الدستوري الحر أبرز مستفيد من الأزمات التي باتت تطبق الحصار على الغنوشي وحركته حيث يتصدر الحزب العناوين من البرلمان من خلال تحركاته الرامية لوقف “عبث الإسلاميين بمصالح تونس” بالرغم من أن وجاهة هذا الموقف من عدمه يُطرح للنقاش.
     
    ولا شك أن خروج خلافات الرئيس قيس سعيد والنهضة إلى العلن سيجعل كل الأحزاب التي كانت مترددة تُجاهر بعدائها للغنوشي وحزبه الذي يخوض معركة البقاء.
     
    لكن الأهم من هذا كله أن المعركة داخل البرلمان ستقتصر على التلاسن والتراشق بالتهم بين النهضة وبقية الأحزاب وهو ما ستكون له تداعيات كبيرة على العهدة البرلمانية أولا وعلى التجربة الديمقراطية ثانيا حيث سئم التونسيون المعارك الجانبية والأيديولوجية التي لا تهدأ والتي تحيد عن الدور الأساسي لمؤسسات الدولة.
     
     
    صغير الحيدري
    صحافي تونسي
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.