تابعنا على فيسبوك

    
    قيس سعيّد في امتحان السيادة الوطنية قيس سعيّد في امتحان السيادة الوطنية

    قيس سعيّد في امتحان السيادة الوطنية

    By متابعات / شؤون وطنية / الإثنين, 01 حزيران/يونيو 2020 20:28
    إعلان "أفريكوم" عن نواياها في ليبيا يدق ساعة جديدة تفرض على تونس عدم مواصلة الوقوف في المنتصف.
     
    تونس - يضع عزم الولايات المتحدة نشر المزيد من قواتها على الحدود التونسية الليبية بتعلة الحد من النفوذ الروسي في هذا البلد الذي أنهكته الحرب منذ عام 2011، الرئيس التونسي قيس سعيّد في أصعب اختبار له منذ أن صعد إلى كرسي الحكم في أواخر عام 2019.
     
    حاولت القيادة العسكرية الأميركية “أفريكوم” التقليل من شأن مساعيها العسكرية على أرض تونس بتأكيدها في بيان توضيحي أن نشاطها المعلن سيقتصر فقط على إرسال وحدة تدريب وليس إرسال قوات تكون مهمتها القتال أو المشاركة في الحرب داخل ليبيا.
     
    لكن يبقى الأهم في كل هذا أن المؤسسات المنتخبة وصاحبة الشرعية الشعبية في تونس وفي مقدمتها الرئيس قيس سعيّد توخت سياسة التزام الصمت دون الخوض في الموضوع بنفيه أو بتدقيق تفاصيله وأهدافه الفعلية.
     
    هذا التطور الجديد يطرح على الرئيس قيس سعيّد بصفته حاميا للدستور التونسي، وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة والمعني الأول بإعلان الحرب أو السلام، أمام أهم امتحان خاصّة أنه ما انفك يعلن صراحة في كل مرة أن تونس تصطف فقط في محور عدم الانحياز، وأن لتونس رئيسا واحدا يمثلها في الداخل كما في الخارج، دون مناصرة شق على شق في ليبيا التي أنهكتها حرب تقودها تيارات الإسلام السياسي المدعومة من أنقرة.
     
    في تونس، باتت هذه اللحظة في الحرب الليبية تعد أهم نقطة فارقة يجب على مؤسسات الدولة أن تعلن فيها عن مواقفها دون تلكؤ ودون مواربة وذلك بالخروج في أقرب فرصة من دوائر عتمة الدبلوماسية السياسية خاصة عندما يكون الأمر متعلقا راهنا بالسيادة الوطنية.
     
    حين تَنافَس الساسة في تونس خلال الحملات الانتخابية الرئاسية في عام 2019، كان التونسيون يدركون جيّدا تفاصيل وبرامج كل مرشح في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، لكن بمجرّد نهاية حرب الانتخابات ووصول قيس سعيّد إلى قصر قرطاج أو حتى بعد التوافق بين الفرقاء والخصوم السياسيين حول شخص إلياس الفخفاخ لترؤس الحكومة، باتت هذه النقطة محل غموض تام بحيث لا يمكن لأحد فك شفراتها لمعرفة المواقف الرسمية التونسية.
     
     واستغل هذا الارتباك وعدم الحسم في الملف الليبي رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي ليلعب لوحده تقريبا دورا موازيا لا يخدم سوى مشروع الإخوان في شمال أفريقيا.
     
    لقد ترجم الغنوشي هذا التوجّه الصريح مستغلا نفوذه كرئيس للبرلمان ومزاحما قيس سعيّد في أهم صلاحياته، بتهنئة فايز السراج بالسيطرة على قاعدة الوطية، فيما اكتفت مؤخرا مؤسسة الرئاسة التونسية وتحديدا بتاريخ 26 مايو بنشر بيان قالت فيه إن قيس سعيّد تحدث هاتفيا مع السراج وأنهما تبادلا تهاني العيد دون الذهاب إلى عمق المكالمة التي لا يشك عاقلان أن تفاصيلها وخطوطها العامة دارت حول مستقبل الصراع في ليبيا بما يمثله من خطورة أولا على الوضع الأمني في ليبيا وتداعياته ثانيا على تونس.
     
    لقد حوّل الغنوشي صمت المؤسسات الرسمية ومواقفها غير الحاسمة إلى نقطة انتصار بعد كل ما أظهره من تحركات، كانت أولا بالتحادث مع الإخواني ورئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا خالد المشري وثانيا عبر التواصل والتنسيق الدائم المعلن منه والمضمر مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يحرّك قواته ومرتزقته في ليبيا تحت غطاء “الشرعية الدولية” التي انتهت صلوحيتها بعدما تم تحويل ليبيا إلى مختبر لقلب قواعد الاشتباك مستقبلا في منطقة شمال أفريقيا بما تكتنزه من أهمية إستراتيجية كونها متاخمة لأوروبا ومطلة على منطقة الشرق الأوسط.
     
    يعيد جدل نشر القوات الأميركية على أرض تونس أيضا إلى الأذهان سجلا حافلا من إخفاقات الدبلوماسية التونسية في عهد تحكم النهضة بمفاصل الحكم التي يجب على سعيّد تجاوزها وتلافيها، حيث تذكر هذه التطورات المتسارعة بكل ما قيل بعد أحداث العنف التي نفذتها جماعة أنصار الشريعة الإرهابية على أرض تونس في 17 سبتمبر 2012 حين قامت بمهاجمة السفارة الأميركية ومن ثمة حرقها.
     
    في عام 2012، قالت البيانات الحكومية والرسمية في تونس إن رجال الأمن وقوات الجيش هم من تمكنوا من السيطرة على الوضع في السفارة الأميركية إلى أن أطل الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي في عام 2016 في برنامج “شاهد على العصر” على قناة الجزيرة القطرية كاشفا أسرار الأمن القومي التونسي وفحوى جلسات مجلس الأمن القومي بقوله “إن الجيش التونسي وافق على دخول 100 من قوات ‘المارينز’ قدموا من ليبيا للمسك بزمام الأمور داخل السفارة الأميركية وبمحيطها الخارجي”.
     
    لكن بعد ذلك خرج وزير الدفاع الأسبق عبدالكريم الزبيدي عن صمته بتأكيده أن عملية الموافقة على دخول قوات المارينز حصلت فعلا وأنها كانت بموافقة المرزوقي بوصفه قائدا أعلى للقوات المسلحة بعد اتفاقه مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون آنذاك في مكالمة هاتفية خاطفة.
     
    إن الاستدلال بكل هذه المعطيات وبسرد تاريخ وتجارب سابقة ليست بالبعيدة، يستدعي مؤسسة الرئاسة الآن للحديث بصوت مرتفع وبمصارحة التونسيين بما يحصل بالضبط في علاقة بالملف الليبي خاصة في ظل غضب الشارع التونسي من إمكانية أن تتورط بلاده في حرب لا مصلحة لها فيها عبر جعلها منصة أو قاعدة لفرض المزيد من التدخل الأجنبي في ليبيا.
     
    لقد دقّ إعلان “أفريكوم” عن نواياها مستقبلا على الحدود التونسية الليبية ساعة جديدة يفرض فيها المنطق السياسي أن تقول مؤسسة الرئاسة التونسية إما لا أو نعم، لا مواصلة الوقوف في المنتصف.
     
    كما أن مواصلة السير في الارتباك تفتح أكثر أجنحة حركة النهضة ورئيسها الغنوشي للمزيد من التحرك بأريحية لتنفيذ أجندات الإسلاميين في ليبيا، فبدون التوضيح العلني لسياسات تونس الخارجية، تصبح المعركة السياسية بين سعيّد والغنوشي منحصرة فقط في قضايا الداخل وسجالاتها المعتادة ما قد يؤكد ما يقال عن أنهما يختلفان في الداخل لكنهما يمضيان في تنفيذ السياسة نفسها عندما تتعلق المسألة بالملف الليبي.
     
     
    وسام حمدي
    صحافي تونسي
     
     
    الدخول للتعليق
    • الأكثر قراءة
    • آخر الأخبار

    Please publish modules in offcanvas position.