تابعنا على فيسبوك

    الاقتراب من الإسلاميين في تونس: خطر.. موت الاقتراب من الإسلاميين في تونس: خطر.. موت

    الاقتراب من الإسلاميين في تونس: خطر.. موت

    By العرب - وسام جمدي / بانوراما / الجمعة, 28 سبتمبر 2018 09:05

    الباجي قائد السبسي بتجاربه المتراكمة في ممارسة الفعل السياسي منذ ما يزيد عن نصف قرن، كان يدرك منذ أن وضع يده في يد زعيم الإسلاميين راشد الغنوشي، أن الاقتراب من حركة النهضة هو خطر وموت سياسي.

     

    لم يكن إعلان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عن القطيعة ونهاية الزيجة السياسية مع حركة النهضة الإسلامية شريكة حزبه نداء تونس في الحكم منذ اللقاء الشهير الذي جمع قائد السبسي براشد الغنوشي زعيم الحركة في باريس عام 2014، مفاجأة بل إنه كان منتظرا على ضوء تسارع وتيرة الخلافات والاختلافات السياسية بين الطرفين وخاصة في علاقة بمصير رئيس الحكومة يوسف الشاهد المدعوم برلمانيا من كتلة الحركة الإسلامية.

    وأثارت خطوة القطيعة بين الطرفين في المشهد السياسي عدة أسئلة كانت متمحورة في جلّها حول من بادر بفك الارتباط، فرغم أن قائد السبسي اختار إعلان “الطلاق للضرر” مع حركة النهضة شفويا وبالثلاث بعد أن ردد إعلان بطلان الزيجة السياسية خلال حوار تلفزي ثلاث مرات، فان الإسلاميين جنحوا وكعادتهم إلى ما يسمى في ثقافتهم وأدبياتهم بـ”الطلاق الديني” أي بمعنى التقارب والتحاور لكن دون التعايش بجميع تفاصيله وأدقها.

    ويتفق الجميع في تونس على أن كل المبررات والشروط التي دفعت الرئيس التونسي لإنهاء الزيجة غير الشرعية مع الإسلاميين كانت متوفرة، خاصة بعدما أداروا بظهرهم له عبر الالتفاف والاصطفاف وراء يوسف الشاهد غير المرغوب في بقائه كرئيس للحكومة من قبل قائد السبسي أو بعد أن ساهمت النهضة بطريقة أو بأخرى في تفكيك حزب نداء تونس الذي أسسه قائد السبسي في مرحلة عدائه للإسلام السياسي قبل انتخابات 2014.

    والباجي قائد السبسي بتجاربه المتراكمة في ممارسة الفعل السياسي منذ ما يزيد عن نصف قرن، كان يدرك منذ أن وضع يده في يد زعيم الإسلاميين راشد الغنوشي، أن الاقتراب من حركة النهضة هو خطر وموت سياسي، إلا أنه اختار خوض التجربة على ضوء تقديمه لمبررات إملاءات ما أفرزت صناديق الانتخابات، لتأتي خطوته الأخيرة مؤكدة أنه أحس بخديعة وطعنة في الظهر من قبل الحلفاء الإسلاميين الذين وضعوه بسلوكاتهم السياسية الناعمة في مطبّات عدة وبمتناقضات لا تحصى ولا تعد.

    ورغم أن حركة النهضة واصلت حتى بعد إعلان الرئيس التونسي للقطيعة معها رفع شعارات التوافق والمحافظة عليها لوضع تونس على سكة الانتقال الديمقراطي، إلا أنها نجحت في حصر قائد السبسي في زاوية ضيّقة ومحفوفة بالمخاطر إن واصل طبعا التشبث بوجوب رحيل يوسف الشاهد.

     فبمجرّد تواصل الدعم البرلماني النهضوي للشاهد -الذي نجح بدوره في تحصين نفسه بكتلة برلمانية يفوق عدد نوابها خمسين شخصا- فإن الإسلاميين حشروا الباجي قائد السبسي في مطب دستوري قد يخرجه من قصر قرطاج أصلا على ضوء أن الدستور التونسي يقر في فصله 99 بأنه إذا طلب رئيس الحكومة نيل الثقة من البرلمان مرتين ونجح في نيلها فان رئيس الجمهورية يصبح مستقيلا من منصبه بصفة آلية.

    الخديعة الجديدة التي راهنت عليها حركة النهضة تؤكّد مجدّدا استناد ممارستها للسياسة على قاعدة تلك الرسالة الشهيرة التي أرسلها حسن الترابي زعيم الإخوان المسلمين في السودان لراشد الغنوشي خلال الأيام الأولى التي عقبت ثورة يناير 2011، والتي يتلخص مفادها في وجوب وضع برنامج الأسلمة والتمكين قيد التطبيق أي وجوب الاقتراب والتعامل مع الدولة العلمانية بأكثر قدر ممكن والانحناء الى أن تمر جميع العواصف.

    وبعيدا عن محاولة البحث عمّن هو الرابح ومن هو الخاسر من التحالف السياسي الذي جمع قائد السبسي بالغنوشي طيلة أربع سنوات، تجدر الإشارة الى أن مجرّد قراءة تحليلية بسيطة في تطورات المشهد السياسي التونسي منذ عام 2011، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن تراكم التجارب أثبت أن كل الأحزاب بيمينها ويسارها التي اقتربت أو تحالفت مع النهضة انقرضت أو تفككّت إلى حُزيبات صغيرة ليس لها وزن سياسي.

    فمنذ أن نجحت حركة النهضة في بسط السيطرة على السلطة في تونس اختارت اللجوء إلى سياسة التحالفات بسبب ما تسميه إكراهات صندوق الانتخاب الذي لم يمنحها أغلبية مريحة أو نتيجة لتعمّدها تجنّب تحمّل نتائج وأعباء الحكم لوحدها.

    وفي كل المراحل التي حكم فيها إسلاميو تونس على أساس التحالفات تفكّكت كل الأحزاب التي اقتربت منهم ويبقى على رأسها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يترأسه الرئيس السابق المنصف المرزوقي أو حزب التكتل من أجل العمل والحريات الذي يقوده رئيس المجلس التأسيسي السابق مصطفى بن جعفر.

    ورغم تأّكّد حقيقة أن من أهم أسباب تشرذم وانشطار بعض الكيانات السياسية إلى أحزاب صغيرة هو التحالف غير المنطقي وغير الشرعي مع حزب حركة النهضة، فإن أحزابا أخرى وشخصيات وازنة سياسيا مثل الباجي قائد السبسي كرّرت نفس الخطأ.

    غير بعيد عن الرئيس وحزبه، فإن حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي (أقدم حزب يساري في تونس تأسس عام 1920) يعيش بعد ارتماء أمينه العام سمير بالطيب في أحضان السلطة، رغم خلافاته الأيديولوجية العميقة مع حركة النهضة على وقع انقسامات عدّة بسبب رفض قيادات تاريخية له التحالف مع حزب إسلامي.

    بدوره مازال الحزب الجمهوري لم يتعاف من لعنة الدخول في ائتلاف حاكم يضم النهضة، بل ويتخبّط في نفس المأزق الذي جعله يفقد خزانا كبيرا من أنصاره، خصوصا عقب بروز انقسامات صلبه أدت إلى استقالة إحدى أهم قياداته إياد الدهماني الناطق الرسمي باسم الحكومة، والمتمسّك بمواصلة تجربة الحكم.

    كل هذه الأمثلة ليست نهائية بل هي أهم نماذج لمصير كل من تحالف مع الإسلاميين الذين يبدو أنهم نجحوا في إطفاء العديد من الحرائق التي حاصرتهم، والتي يمكن اختزالها في تمكنها من تجاوز عقبة ما كانت تتهم به قبل التحالف مع الباجي قائد السبسي بمساعيها لأسلمة المجتمع التونسي.

     

    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.