تابعنا على فيسبوك

    حادثة غرق المهاجرين في لامبيدوزا: خمس سنوات من الذكريات الأليمة حادثة غرق المهاجرين في لامبيدوزا: خمس سنوات من الذكريات الأليمة

    حادثة غرق المهاجرين في لامبيدوزا: خمس سنوات من الذكريات الأليمة

    By قسم التحرير / متابعات / بانوراما / الأربعاء, 03 أكتوير 2018 10:27

    بعد مرور خمس سنوات على كارثة لامبيدوزا الإيطالية، منقذ المهاجرين يتذكر تفاصيل الحادثة ويفكر في الحصول على علاج نفسي لهول مشاهد الموت التي لم تُمحَ من ذاكرته.

     

    لامبيدوزا (إيطاليا)- يحظى الآيس كريم بمقهى فيتو فيورينو بسمعة أنه أحد أفضل المثلجات مذاقا في جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، وهو يستحق هذا الوصف بجدارة، حيث إن له مذاقا مميزا وفريدا بنكهته المبتكرة والناطقة بطعم الزبد المملح والشمر البري والعرقسوس.

    اعتاد فيورينو، وهو صاحب المقهى، أن يعيش من بيع خلطات الآيس كريم الفريدة، إلى جانب قيامه بصيد الأسماك على متن قاربه “جامار” في البحر، واستمرت تلك الحال إلى أن وقعت أحداث الثالث من أكتوبر 2013 المؤسفة.

    ففي ليلة هذا اليوم كان الطقس رائعا كعادة أمسيات الخريف المبكر عندما تكون مياه البحر لا تزال دافئة، ويصير الهواء منعشا ومفعما بالطاقة الإيجابية، وهذا ما دفع فيتو فيورينو بالإضافة إلى سبعة من أصدقائه إلى أن يقرروا لأول مرة أن يبقوا في القارب والنوم داخله في البحر حتى الصباح.

    وعندما استيقظ فيورينو في السادسة تقريبا من صباح اليوم التالي كان على موعد مع لحظات من شأنها أن تغير حياته إلى الأبد، ويتذكر هذه الأحداث بوضوح صاف وهي وقائع سيتضح أنها ذات أهمية في ما بعد، فوقتذاك سمع صديقه أليساندرو صوت أنين يشبه صرخة خافتة لإنسان. ويتذكر فيورينو قائلا، “إنني قلت لا يا أليساندرو، هذه صيحات طيور النورس، ولكن فجأة ظهر منظر أمامي لا يمكنك وصفه، ورأيت كل هؤلاء الأشخاص في البحر وهم يصرخون بأقصى ما يمتلكون من قوة طالبين المساعدة، وكانت أعينهم متسعة بفعل الرعب وصارت كأنها كرات من النار”. وحول القارب جامار كانت هناك مئات من الرؤوس في المياه تبرز أعينها وكأنها كرات من النار، وكانت الرؤوس تتأرجح صعودا فوق سطح الماء ثم هبوطا تحته.

     

    اليوم لم تعد سفن أخرى مكدسة باللاجئين تصل إلى لامبيدوزا، فلم تعد الحكومة في روما تقوم بإنقاذ المهاجرين الذين يتعرضون لمحنة في البحر، وبدلا من ذلك نرى أن السفن تغرق بالقرب من السواحل الليبية

     

    ودفع فيورينو قاربه ليقترب من مسرح الأحداث، ولم يدر بخلده أن سفينة مهاجرين تقل 550 شخصا من إريتريا والصومال قد غرقت توا، ولم يكن يعلم أيضا أن أكثر من 360 من هؤلاء المهاجرين لن يبقوا على قيد الحياة، أو أن سياسة أوروبا إزاء الهجرة ستتغير برمتها في ما بعد.

    وتصرف فيورينو مدفوعا فقط بفطرته التي أمرته بأن يخرج هؤلاء الأشخاص من البحر بأسرع ما يمكن وينتشلهم إلى داخل قاربه، ويقول “لقد جذبتهم إلى أعلى غير أنهم انزلقوا من بين يدي لأن الوقود كان يغطيهم”.

    وأنقذ فيورينو وأصدقاؤه 47 شخصا، وانتقل معظم من كتبت لهم النجاة إلى شمال أوروبا وغالبا إلى السويد وألمانيا، وهو لا يزال على اتصال مع العديد منهم، وجذب هاتفا ذكيا من جيبه ليعرض تفاصيل محادثاته وصوره معهم، ويطلق الناجون على فيورينو لقب “أبي”. وفي تمام الساعة السادسة والعشرين دقيقة من صباح ذلك اليوم اتصل فيورينو بخفر السواحل طالبا النجدة، ولكن شيئا لم يحدث لفترة طويلة.

    ويضيف، “إنهم جاؤوا في الساعة السابعة وخمس وعشرين دقيقة، أي بعد ساعة من اتصالي بهم”، ويعرب عن اعتقاده بأنه “إذا كان خفر السواحل قد استجاب بشكل أسرع لندائه لكان قد تم إنقاذ المزيد من الأرواح”.

    ومما زاد الأمور سوءا أنه عندما أوصل الدفعة الأولى من الناجين إلى الشاطئ منعته سلطات الميناء من العودة إلى البحر ومحاولة إنقاذ المزيد من المهاجرين،  يقول “إذا كان في استطاعتك أن تنقذ شخصا ما فعليك أن تفعل ذلك، وفي ذلك اليوم شاركت في ارتكاب ذنب يؤدي إلى الموت”.

    ولم يستطع فيورينو أن يجد في نفسه القوة لكي يتوجه إلى مركز الشرطة ليدلي بتفاصيل كل ما حدث إلا بعد مرور عام كامل على الواقعة، ويتذكرقائلا، “لم أستطع النوم لعدة أشهر، ومن بين الوقائع المؤلمة أنهم عثروا على أم مع رضيع حديث الولادة لا يزال متصلا بالحبل السري، وكان الأطفال ينزلقون من أرحام أمهاتهم من هول الفاجعة، لقد كانت مأساة لا يمكن تصورها”.

    غير أن اتهاماته ذهبت أدراج الرياح، وتم الاحتفاء بأفراد خفر السواحل باعتبارهم أبطالا، وأصبح عمدة لامبيدوزا وقتها جيوسي نيكوليني رمزا عالميا للإنسانية، وصارت لامبيدوزا صنوا لأزمة اللاجئين، بل حتى اليوم لا يكاد أحد يعرف من هو فيتو فيورينو.

    غير أن هذا قد يوشك على التغيير على الأقل في مكان آخر في أوروبا، فقد ألف الكاتب الألماني الإيطالي أنطونيو أومبرتو ريكو مسرحية تدور حول تجربة فيورينو بعنوان “القارب ممتلئا”، وتم عرضها عدة مرات في ولاية ساكسونيا السفلى بالشمال الألماني.

    ويقول الكاتب ريكو، “إن فيورينو ليس مثل بعض الناشطين السياسيين الذين أمضوا 40 عاما يشنون حملات لصالح اللاجئين، بل على العكس، إنه فعل ما كان سيفعله أي شخص يتعرض لذات الموقف، وما قام به لم يمنحه شهرة سياسية، ولكن منحه مزيدا من الإحساس بالمشكلات الاجتماعية”.

    واليوم لم تعد سفن أخرى مكدسة باللاجئين تصل إلى لامبيدوزا، فلم تعد الحكومة في روما تقوم بإنقاذ المهاجرين الذين يتعرضون لمحنة في البحر، وبدلا من ذلك نرى أن السفن تغرق بالقرب من السواحل الليبية دون أن يعلم أحد ما يحدث من وفيات على متنها.

    وبات الآن برنامج إنقاذ اللاجئين الذي دشنته الحكومة الإيطالية في أعقاب كارثة لامبيدوزا، مجرد ذكرى باهتة من الماضي، وتصل اليوم مجموعات متناثرة فقط من التونسيين إلى سواحل لامبيدوزا في زوارق صغيرة. وتغير أيضا صاحب متجر الآيس كريم في لامبيدوزا بشكل كبير، فهو يفكر اليوم في ما إذا كان ينبغي عليه أن يسعى للحصول على مساعدة من طبيب نفسي.

     

    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.