تابعنا على فيسبوك

    

    هل تعجل عملية شارع بورقيبة بموت النهضة السياسي؟

    By متابعات / بانوراما / الأربعاء, 31 تشرين1/أكتوير 2018 12:38
    الفترة المقبلة ستكون حبلى بالملفات المصيرية، لا سيما مع تحركات الرئيس الباجي قائد السبسي لتفعيل مجلس الأمن القومي الذي سيفتح الباب، إن أخذ الأمور بجدية، لكشف أسرار الاغتيالات السياسية المتورّط فيها جهاز النهضة السرّي.
     
    صدمة الهجوم الإرهابي الأخير، الذي ضرب قلب العاصمة التونسية، ستكون نقطة فاصلة لتونس في مفترق طرق للخروج من الجمود السياسي. فالعملية، وإن لم تحقق أهدافها بإحباط عزيمة الشعب في محاربة آفة التطرف، إلا أنها ستكون دافعا أكبر للمعسكر المدني الديمقراطي لإعلان “الحرب” على الإخوان قبل انتخابات 2019.
     
    ثمة شواهد تظهر أن بوصلة الطبقة السياسية المتصارعة تعطّلت بفعل الحسابات السياسية الضيقة التي عكرتها تحركات النهضة من خلف الكواليس، ومحاولاتها للسيطرة على أجهزة الأمن والمخابرات والقضاء في الدولة.
     
    الأحزاب الليبرالية نجحت خلال الفترة الأخيرة في جعل معركتها مع النهضة ورئيسها راشد الغنوشي لصالحها في سياقات الاستقطاب الأيديولوجي وتجاهل تناقضات يافطات الفوضى وقوى الاستبداد والفساد، التي بالكاد باتت تهمّ المجتمع المتقوقع على نفسه نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة لدولته الغارقة في العبثية السياسية.
     
    كابوس التوافق الأيديولوجي، الكذبة التي يختبئ وراءها الساسة خلف شعار الديمقراطية، يبدو أنه يوشك على الانتهاء، بدليل أن الصراع المحتدم بين التيارين العلماني والإسلامي دخل منعطفا حاسما سيقلب المعادلات، وليس ثمة احتمال للرجوع إلى المربع الأول، بعد أن وجدت النهضة نفسها محشورة في الزاوية.
     
    انحسار هيمنة إخوان تونس على المشهد يسير بوتيرة دراماتيكية على عكس ما يظن أكثر المتفائلين ببقائهم في الحكم لفترة أطول، فنداء تونس، الحليف السابق للنهضة، قلب الطاولة على الحركة عندما فضّ شراكته معها وعلق نشاطه البرلماني، بل وأبدى تذمّره من تدخل رئيسها في السياسة الخارجية والعلاقات الدبلوماسية للدولة.
     
    نداء تونس المندمج حديثا مع الاتحاد الوطني الحر فاجأ الساحة السياسية ببيان يكشف حجم الشرخ الذي آلت إليه العلاقة مع النهضة، حينما أعلنت الهيئة القيادية للحزب أنها مستعدة للتشاور مع جميع الأطياف الديمقراطية التقدمية لتشكيل الحكومة المقبلة، ومناقشة طبيعة التعديل الوزاري دون مشاركة حركة النهضة.
     
    الخطوة وإن جاءت متأخرة، وبغضّ النظر عن كونها ستؤجل مناقشة مشاريع القوانين والمصادقة عليها في البرلمان، لكنها تحمل دلالات عميقة فرضتها الحسابات السياسية. ويبدو أنها ستكون نقطة فاصلة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة المدنية دون وجود حركة إسلامية مفروضة على التونسيين قسرا من قبل الغرب وخاصة فرنسا والولايات المتحدة.
     
    النهضة، قدمت نفسها منذ البداية على أنها مدنية تتسلح بالوسطية، رغم أن التيارات الإسلامية الأخرى التي ادعت ذلك في السابق تورّطت في عمليات إرهابية واغتيالات سياسية. وقد لعبت دورا مشبوها لاستقطاب الطبقات الضعيفة في صفها، بل وتجاوز الأمر إلى إنشاء أجهزة سرّية وكيانات أمنية موازية للسيطرة على مفاصل الدولة.
     
    لا تزال الحركة تتسلّح بورقتين في رهانها على اكتساح الحياة السياسية قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة العام المقبل، الأولى حشد ما يمكن حشده من الأطياف الحزبية الصغيرة، حتى لو كانت مختلفة معها في العقيدة جذريا، خلف رئيس الحكومة يوسف الشاهد، لقطع الطريق أمام تحركات ائتلاف الندائيين والوطني الحر لعزله.
     
    أما الورقة الثانية فتتمثل في استكمال مسار العدالة الانتقالية لضحايا التعذيب والتصفية والملاحقات في الفترة الفاصلة بين 1955 وحتى 2011، تحت قيادة سهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، الفاقدة لشرعيتها الدستورية والقانونية، بعد أن رفض البرلمان قبل أشهر تمديد أعمالها لعام إضافي، وقد تسبب تدخل الشاهد المدعوم من النهضة في تفاقم المشكلة.
     
    صحيح أن المتغيرات السياسية المتسارعة جعلت أحزابا حداثية تنجذب للنهضة، وهذا أمر مفهوم لأنه يخدم مصالحها، لكنها زيجة مؤقتة، فالمسألة بالنسبة لحزب مشروع تونس، مثلا، والذي أعلنت النهضة انتهاء الصراع الأيديولوجي معه، هي تحرك للحصول على حقائب وزارية في الحكومة الجديدة، وليس للأمر علاقة بالتوافق الفكري أو العقيدة.
     
    ومع ذلك، يظل تشتّت الليبراليين، رغم خلافاتهم حول إدارة القضايا الجوهرية، هو محور ارتكاز النهضة سياسيا واندفاعها نحو التمسك بالتوافق لأنها تخشى الانقلاب عليها في أي لحظة. وقد تكون حينها مسألة الانسجام بين المعسكرين ورقة ليست ذات أهمية إذا ما تغيّرت استراتيجية الغرب في المنطقة.
     
    الفترة المقبلة ستكون حبلى بالملفات المصيرية، لا سيما مع تحركات الرئيس الباجي قائد السبسي لتفعيل مجلس الأمن القومي الذي سيفتح الباب، إن أخذ الأمور بجدية، لكشف أسرار الاغتيالات السياسية المتورّط فيها جهاز النهضة السرّي، استعدادا لطي هذه الحقبة الظلامية من تاريخ تونس.
     
     
    رياض بوعزة / صحافي تونسي
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.