تابعنا على فيسبوك

    

    "المهديّة" عاصمة الفاطميين في حضرة مدينة الثقافة

    By منصف كريمي / بانوراما / الثلاثاء, 25 كانون1/ديسمبر 2018 11:20
    تحت عنوان "المهديّة عاصمة الفاطميين في حضرة مدينة الثقافة" وتفاعلا مع مشاركة ولاية المهدية في تظاهرة "أيام الجهات مدن الفنون في مدينة الثقافة" بتاريخ 22 ديسمبر الجاري بمدينة الثقافة ومن خلال يوم ترويجي للمشهد الثقافي والابداعي لجهة المهدية ذات المخزون الأثري والطبيعي والابداعي الثريّ كتبت الدكتورة عواطف منصور وهي أستاذة جامعية بكلية الآداب والفنون بمنوبة وفنانة تشكيلية كانت من احدى المبدعات المشاركات هذا النص التفاعلي الذي ننشره تعميما للفائدة وحفظا لذاكرة هذا الحدث وجاء في النص ما يلي:
     
     
    أتحدّث اليوم كمحبّة عاشقة لمدينة المهديّة وليس كاختصاصيّة وباحثة في التراث والفن، أقول حديثي هذا في إطار الحديث عن الإحتفاء بعاصمة الفاطميين ضمن تظاهرة "أيام الجهات مدن الفنون في مدينة الثقافة" بتاريخ 22 ديسمبر 2018 بمدينة الثقافة، فالحديث عن "المهديّة "يطول وله ترانيم وتراتيل، فما أدراك ما المهديّة، تلك المدينة السّاحرة والسابحة في عبق التاريخ، فهي التي وصفها المؤرّخ حسن حسني عبد الوهاب في كتابه "خلاصة تاريخ تونس" قائلا: "المهدية مدينة جليل قدرها، شهير في قواعد الإسلام ذكرها، وهي من بناء عبيد الله المهدي أوّل خلفاء العبيديين...، وهي من عجائب الدنيا...".
     
    هكذا هي المهديّة ثريّة في تاريخها، عظيمة في تراثها، ساحرة في شواطئها، أصيلة بمعتمدياتها وعماداتها وأريافها الرائعة من رجيش، قصور الساف، سيدي علوان، الجم، السواسي، شربان، هبيرة، بومرداس، الشابة،...
     
    جاء هذا الإحتفاء بعاصمة الفاطميين في مدينة الثقافة، هذا الصّرح الثقافي التونسي بامتياز ليس ليؤرّخ أو يروّج لولاية المهدية وحسب، ولكن ليذكّر ويعرّف بإبداعاتها وتاريخها وجمالها لكلّ من غفل عنها للحظة...، وقد افتتحت التظاهرة تحت إشراف كلّ من السّادة محمّد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب، الدكتور محمد زين العابدين وزير الشؤون الثقافيّة، الأستاذ عبد الحفيظ حسن المندوب الجهوي للثقافة بالمهدية، عبد الفتاح شقشوق المعتمد الأوّل بولاية المهدية ألى جانب عدد هام من نواب مجلس الشعب ومن مثقفي ومبدعي ومواطني الجهة، وبشهادة كلّ من حضر وشارك في هذا المهرجان الثقافي والإبداعي المتميّز، كان اليوم حافلا ومتنوّعا وثريّا ومبدعا، وكيف لا يكون كذلك، وهذه المهديّة الأصيلة والمتجذّرة بتاريخها الذي يحفظه برجها ومدينتها العتيقة والسقيفة الكحلة، وقصر الجم وبرج خديجة ومقاماتها الأثرية دون أن ننسى جمال بحرها الأسطوري وشواطئها البلورية الساحرة من المهدية الى رجيش فسلقطة والشابة،...  ودون أن نغفل عمّا تزخر به معتمدياتها وأريافها من تراث عميق، كيف لا يكون اللقاء الثقافي كذلك وقد جاء مفعما بما تحفل به المدينة من فنون وتراث وإبداعات، أين كان هذا التراث حاضرا بأوجهه المختلفة المادّي والغير مادّي، ليتنوّع بين النسيج التقليدي بأنواعه وثقله من الحرير إلى المنسوج الأرضي كالزرابي، الكليم، المرقوم، البخنوق، البطانية،... وبين اللباس التقليدي الذي تحدّى بروعة ألوانه وزخارفه العصر ولازال، ليتميّز بجمال نقوشه وزخارفه المرقّقة والمذهّبة بأنامل مبدعات يشهد لهنّ إباعهنّ الذي سلب فعلا لبّ كلّ من رآه ولامسه وتغنّى به، دون أن نغفل عن معرض لصناعة الحليّ والإكسسوارات  التي تعتبر من أهمّ المتمّمات للباس التقليدي أين يزدان الرونق رونقا...
     
    وحتّى يكون للتراث الغذائي حضوره فقد خصّص معرض لأشهر الأكلات التقليديّة لولاية المهدية ولعلّ "الكسكي بالبسباس" أحد مميزاتها ولا تقدر مدينة أخرى على مقارنته أو مقاربته إلى جانب أكلات السردينة المختلفة و"كسكسي القمح أو الشعير "الملثوث" والحلويات التقليديّة والمعاصرة ذات الخصوصيّة الجهويّة، وقد حضر أيضا الفن التقليدي الذي تحفل بصناعته أنامل مبدعات الريف مثل الخالة سالمة أصيلة بومرداس التي تفنّنت في صناعة الفخار التقليدي ذي الصنع اليدويّ فتنوعت ابداعاتها الفخاريّة بين أدوات الطبخ ك"الكانون"، "الطابونة"، "الزحّافة" وبين أدوات الطّهي كالقدر والكسكاس الفخاري، والإبريق، والأقداح... حتّى أّنّ  المنتجات التراثيّة الغذائيّة التي تزخر بها مدينة الفاطميين لم تغب عن الموعد الإبداعي كالزيوت بأنواعها النباتيّة والصناعيّة والعسل وخبز الطابونة،... الذي أبدعته أنامل النساء من ريف المدينة الجميل، ومن أجل إبراز كل ذلك خصّص معرض للمنتوجات الفلاحيّة والصناعيّة بالجهة، وباعتبار ولاية المهديّة مدينة البحر والصّيد البحري من ميناء المهدية الى سبقطة والشابة، فقد حضر معرض لصناعة السفن.
     
    وحتّى يكون اللقاء شاملا فإنّ القائمين على التظاهرة لم يغفلوا عن التأسيس لعمليّة أشهاريّة أكيد أنّها كانت ناجحة للترويج للسياحة بجانبيها الجمالية كما الثقافية، فالمهديّة وجهة سياحيّة بامتياز، ولأجل ذلك خصّص معرض يعمّق التّعريف بالخصوصيات المميّزة للجهة تحت عنوان "رحلات في أعماق تونس"... هكذا ذكرها التاريخ، إنّها ثاني عواصم الخلافة بإفريقية، وكتب عنها المؤرّخون أنّها عاصمة الخلافة الفاطميّة، هي المهديّة إذن، ولعلّ ذلك جعلها تكون إحدى أشهر الولايات في أجوائها الإحتفاليّة ذات البعد الصوفي والروحي،... التي يعرفها القاصي قبل الداني، فمن لا يعرف "عيساوية الجم" و"فرقة الحطّابة" و "الطبّال" لفرقة "النجع للفنون الثقافية" و"الماشطة المهدويّة" أو "تاج العرايس" التي تميّز المدينة عن باقي جهات البلاد، فقد تعرّف إليها اليوم بمدينة الثقافة، مدينة الإبداع بامتياز من خلال العرض الشجي الذي قدّمته هذه الفرق بسخاء المبدع المحبّ لفنّه، فرقص لها وعلى ترانيمها كلّ الحاضرين في انتشاء.
     
    وباعتبارها ربيبة الرومانيين فقد حضر اللقاء عرض رائع شهدنا من خلاله تاريخ المسرح الروماني الذي لازال يرزح بين حيطان مدينة الجم في عنفوان الأمس وتاريخ اليوم، قدّمه شباب وشابّات لبسوا زيّ الرومانيين فخلنا أنفسنا للحظة من الزمن أنّنا إبّان عصر الرومان فعلا فشهدنا معاركهم وجيوشهم.
     
    وتوالى عرض الرومان ليتحوّل من المعارك نحو الموسيقى الراقية والسالبة للبّ العاشقين لها الموسيقى السمفونية لنتوقف معرض يروي لنا في معرض صوره حقبة هذه الموسيقى منذ عهد الرومان إلى اليوم... وإنّ الحديث شجيّ عن الموطن والأصل والجذور والإبداع فيها ومنها سخيّ لا ينضب، لأنّنا نتحدّث حتما عن ولاية المهديّة، هذه الولاية الولاّدة للإبداع والتي تعبق بالإبتكار والتجديد والفنون على اختلاف معتمدياتها وتنوّع عماداتها وكثرة أريافها الجميلة، وهكذا جائت هذه التظاهرة حافلة بالإبداع الفني والتراث الثقافي الذي حضر بقوّة هذه المرّة من خلال معرض للفنون التشكيليّة أثّثه وشارك فيه عدد مهمّ من الفنانين التشكيليين الأكادميين أصيلي ولاية المهديّة نذكر منهم المنجي معتوق فنان تشكيلي وأستاذ جامعي بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس سابقا، محمد البعتي فنان تشكيلي وأستاذ جامعي بالمعهد العالي للفنون والحرف بالمهدية، عواطف منصور فنانة تشكيلية وأستاذة جامعية بكليّة الآداب والفنون بمنوبة، مهى المكشر فنانة تشكيلية وأستاذة بالمعهد العالي لمهن الموضة بالمنستير، بدر الدين بوبكر فنان وأستاذ جامعي بالمعهد العالي للفنون والحرف بالمهدية، أكرم خوجة فنان وأستاذ جامعي بالمعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة، نجلاء الزوالي باحثة في مرحلة الدكتورا، سماح بن داعية أستاذة بالمدرسة الإعدادية بقصور الساف، محمد العايب مصور فوتغرافي وصاحب رواق عين، سالم الرقوق رئيس منتدى الفنانين التشكيليين بالمهدية، مجدي فتح الله فنان تشكيلي، كما شارك في المعرض أيضا بعض محبّي الفنون من روّاد نوادي الرّسم بدور الثقافة بالجهة ومعرض للصور الفوتغرافيّة يروّج بدوره للجهة.
     
    ولانّ المدينة زاخرة بالطاقات الإبداعيّة، فإنّ الفن والإبداع لا يتوقّف عند الفن التشكيلي فقد تضمّنت التظاهرة كذلك معرضا لفن الفسيفساء التي تزخر به مدينة الجم وتشتهر به فساهم مبدعوها في تشكيل وورشات حيّة لصناعة وتركيب الفسيفساء شارك فيها عدد هائل من الكبار والصغار في شغف وحبّ...
     
    ويظلّ الإبداع متواصلا في ظل عاصمة الفاطميين وفي غمار هذا الصرح الثقافي الرائع في تصاميمه ومضامينه، لتتضمّن التضاهرة أيضا إبداعات الفن السابع لنجد المسرح والسّنما والشعر، فشهدت عرض مسرحيات لممثلي الجهة وعرضا لقصائد شعريّة كانت من نصيب الشاعر "محمد الصغير ساسي".
     
    أمّا الختام فقد كان مسكا على حدّ تعبير أسلافنا كما يقال من خلال عرض أثّثته فرقة "السفينة" للإنشاد الصوفيّ وعلى ترانيمه الروحيّة تهادى الحاضرون في سفر حالم ربّما يجوب تاريخ المهديّة منذ بدايتها إلى يومنا هذا من خلال ما ترسّب في أذهانهم من إبداعات لم تنحصر في النموذج الواحد بل تلوّنت وتطوّعت فتكاثرت وتطوّرت كما تتلوّن وتتنوّع ولاية المهديّة بمعتمدياتها وعماداتها وأريافها...
     
    نختم لنقول بعد هذا الحديث الشجيّ الشكر موصول للمندوبية الجهويّة للثقافة بالمهديّة في شخص السيّد المندوب عبد الحفيظ حسن وكلّ إطاراتها وكلّ من ساهم معهم في تأثيث  وتنظيم هذه التظاهرة الناجحة على جميع المستويات وإن يكن النقص دوما موجودا في بعض الأشياء، غير أنّ الشموليّة التي شهدتها هذه التظاهرة من حضور لجلّ الإبداعات الفنيّة والحرفيّة والسياسة الثقافيّة فلم تغفل عن شيء قد جعلتنا نغضّ الطرف عنه طوعا لا كرها، فقد كانت تظاهرة إبداعيّة ثقافيّة بامتياز تنمّ عن مدينة شهد لها التاريخ زمنا بعينه ولازال يشهد...
     
    أخيرا وليس آخرا نقول كيف نشفى من حبّ المهدية... إنّنا حتما لن نشفى، فهي الأصل وإليها العودة...
     
     
    الدكتورة عواطف منصور: أستاذة جامعية بكلية الآداب والفنون بمنوبة وفنانة تشكيلية
     
     
     
     
    الدخول للتعليق
    • الأكثر قراءة
    • آخر الأخبار

    Please publish modules in offcanvas position.