تابعنا على فيسبوك

    
    هل فعلاً الاسلام في ازمة؟ هل فعلاً الاسلام في ازمة؟

    هل فعلاً الاسلام في ازمة؟

    By د. معن علي المقابلة / بانوراما / الثلاثاء, 03 تشرين2/نوفمبر 2020 11:19
    اثار وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ان الاسلام في ازمة ردود فعل غاضبة في العالم الاسلامي، وبصرف النظر عن دقة هذا الوصف، فمن ألمؤكد ليس ماكرون او اي حاكم غربي لديه الشرعية او الموضوعية للحديث عن الاسلام وانه يعيش في ازمة، فهذا الارث الاستعماري الامبريالي الذي مارسه الرجل الابيض عبر تاريخه البعيد والمتوسط والقريب والمعاصر يشكل وصمة عار في جبين كل اوروبي لا يستنكر هذا التاريخ، فالمجازر التي ارتكبها الرجل الاوروبي بحق العرب والمسلمين والشعوب الأفريقية والهنود الحمر والجنس الاصفر وغيرهم يندى لها الجبين، وعندما اقول المعاصر فالرجل الابيض لازال مستعداً لارتكاب مثل هذه المجازر كل يوم بحجج واهية وضعيفة تعبر عن ازمته الحقيقية رغم مئات الفلاسفة التي انتجتهم هذه الحضارة، فالمجازر التي ارتكبت ولا تزال في العراق وافغانستان على يد ماكنة الحرب الامريكية، وكذلك المجازر التي ترتكبها فرنسا بالتحديد في حربها الخفية في افريقيا بحثاً عن الذهب والالماس والتي عبر هنها الفلم الامريكي (Blood Diamondبلود دايموند) بحجة محاربة الارهاب تؤكد ان الغرب بكل ما يمثل يعيش هذه الازمة.
     
     
    بينما العرب المسلمين عبر تاريخهم وبالأخص ما اخذ يعرف بالفتوحات الاسلامية بصرف النظر عن موقفنا من هذه الفتوحات، الا انها تمثل سجلاً ناصعاً في صفحات هذا التاريخ، وبالتحديد في التاريخ الحربي عند المسلمين، وسلوك الفاتحين في هذه الحروب، فلم يسجل هذا التاريخ اي انتهاكات غير انسانية، كما لم ترتكب مجازر بحق اي جنس من الاجناس التي خاض المسلمون معهم حروبهم، وقد يحتج البعض على مفهوم السبايا في الحضارة العربية الاسلامية ونقول ان هذا المفهوم ليس اختراعا اسلامياً فقد عرف في كل الحضارات القديمة، الا ان العرب المسلمين قد تميزوا به عندما وصل ابناء السبايا لسدة الحكم واصبحوا ملوكاً وسلاطين واصبحت امهاتهم ايضاً ملكات واميرات، وعليه فليس ماكرون او غيره من حكام الغرب مؤهل للحدث عن الاسلام سواء كان في ازمة اولم يكن، في الوقت الذي يسعى فيه ماكرون بإصدار تشريع يجعل فيه معادة الصهيونية شكل من اشكال معادة السامية هذه الحركة العنصرية الاستعمارية التي قلعت شعباً كاملاً من ارضه في فلسطين وارتكبت مجازر مروعة ولاتزال بحفه مدعومة بكل وسائل القوة الغربية.
     
    وبعيداُ عن توصيف ما كرون فان الكثير من النخب العربية والإسلامية كتبت واعترفت بالحرب داخل الاسلام، كما سماها العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني، او المأزق الذي يعيشه الاسلام والمسلمين، كالمفكر محمد عابد الجابري ومحمد اركون وغيرهم، وتتمثل هذه الازمة في جوهرها ببعدها السياسي، الا انها أُلبست اللبوس الديني، وهذا ما لخصه الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل المتوفي سنة1153م بجملته العميقة التي تلخص هذه الأزمة بقوله”واعظم خلاف بين الامة، خلاف الامامة، اذ ما سُل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الامامة(الخلافة) في كل زمان”.
     
     
    فبُعيد وفاة الرسول-صل الله عليه وسلم- وقبل ان   يوارى جثمانه الطاهر الثرى بدأ الصراع بين المسلمين حول خلافته، اذ اجتمع المهاجرون والانصار في سقيفة بني ساعدة في المدينة المنورة عاصمة رسول الله لبحث امر خلافته، وقد انقسموا حول هذا الامر اذ اعتبر المهاجرون انهم الاحق في خلافة النبي كونهم اهله وعشيرته واول من امن به ولن ترضى العرب امارة غير قريش، بينما احتج الانصار بانهم احق بها كونهم آووه في الوقت الذي اهله(قريش) اخرجوه وطاردوه وسعوا لقتله، الى ان حسم الامر لصالح المهاجرين ومبايعة ابي بكر الصديق كأول خليفة لرسول الله، الا ان اخطر ما حدث في سقيفة بني ساعدة وحسب المرويات، ان المهاجرين احتجوا على الانصار بحدث منسوب للرسول يقول فيه “الأئمة من قريش” وبالتالي يتم اقصاء ليس فقط الانصار من تولي الخلافة بل جميع المسلمين، وحصرها بقريش فقط بالاستناد الى مرويات دينية، لتفتح الباب على مصراعيه لصراع دامي وطويل ومفتوح عنوانه الشرعية اي شرعية من يتولى الخلافة، ويقال ان علي عندما سمع بحجج المهاجرين بانهم احق بالخلافة كونهم اهل الرسول وعشيرته، احتج بانه الاولى على هذه القاعدة كونه ابن عم الرسول وزج ابنته فاطمة على اعتبار ان الرسول لم يعش له ابناء من ذكور.
     
     
    استمر هذا الصراع داخل قريش وخاضوا فيه معارك دامية فبعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان الاموي دخل المسلمون في نفق مظلم اشتد ظلامه باحتكام المسلمين للسيف في حل خلافاتهم، فكانت معركة الجمل سنة 658م التي قادها كبار الصحابة يتقدمهم الصحابيان المبشران بالجنة في الحديث المنسوب للرسول-صل الله عليه وسلم- الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وبدعم من ام المؤمنين عائشة بنت ابي بكر زوج الرسول-صل الله عليه وسلم- ضد الخليفة علي بن ابي طالب-رضي الله عنه- وكانت حجتهم الثأر من قتلة عثمان، ثم معركة صفين سنة 658م بين الخليفة علي ابن ابي طالب ووالي الشام معاوية بن ابي سفيان لذات السبب وهو الثأر من قتلة عثمان على اعتبار ان معاوية ولي الدم لعثمان، فالاثنين من بني امية، ومعركة النهروان سنة 659م والتي دارت رحاها بين علي والمحكمة(الخوارج) وهم الفئة التي رفضت خضوع علي للتحكيم في معركة صفين، وقد ذهب ضحية هذه المعارك الالاف من المسلمين بينهم الكثير من الصحابة، ومنهم الخليفة علي بن ابي طالب.
     
    استمر الصراع بين بني هاشم وبالتحديد العلويين نسبة لعلي بن ابي طالب والامويين، الى ان حسم لصالح الامويين بعد مقتل علي بن ابي طالب وتنازل الحسن في العام الذي اطلق عليه المسلمون عام الجماعة اذ تنازل الحسن لمعاوية بشرط ان يترك الامر شورى بعد معاوية للمسلمين، الا ان معاوية اخل بهذا الشرط عندما اخذ البيعة لابنه يزيد خليفة من بعده بالترغيب وبالترهيب، ليعود الصراع مرة اخرى ويقوده هذه المرة الحسين بن علي الاخ الشقيق للحسن، ليقتل على يد يزيد لتنقسم الامة انقساماً عمودياً فيما اخذ يعرف في التاريخ الاسلامي بالسنة والشيعة وليتحول الحسين بن علي ابن ابي طالب رمزاً للثورة والفداء ومقاومة الظلم.
     
    لم يتوقف الصراع على الخلافة في العهد الاموي فبعد مقتل الحسين في كربلاء استمر العلويون في صراعهم مع الامويين على اعتبار انهم مغتصبي السلطة، الى ان استطاع العباسيون من اسقاط الامويين تحت شعار غامض وهو الرضا من آل محمد لتنتقل الخلافة الى فرع اخر من فروع بني هاشم وهم العباسيون نسبة للعباس عم الرسول-صل الله عليه وسلم- لتستمر خلافتهم حتى سقوطها على يد التتار سنة 1258م، وقد تخلل خلافة العباسيين كثير من الثورات على خلافتهم ذهب ضحيتها الكثير من المسلمين، ونتيجة هذا الصراع على السلطة ظهر ما اخذ يعرف بالتاريخ الاسلامي بالفرق الاسلامية، واتخذت موقفاً من هذا الصراع، وكان هذا النفق يشتد حلكة وظلاماً عندما تضع المعارك اوزارها، ليتوقف صليل السيوف ويبدأ صرير القلم، وتبدأ معركة او معارك من نوع اخر اشد خطورة من معركة السيوف والرماح، اذ لا تزال اثار هذه المعارك سواء معارك السيف او القلم تلقي بظلالها الى يومنا هذا.
     
    فهذا الصراع الدامي في جوهره واساسه صراع على السلطة، وعدم وصول المسلمين الآوائل لآلية واضحة في اختيار الحاكم، وبالرغم من ان البعض يرى في اجتماع السقيفة والحوار الذي دار بين المهاجرين والانصار ووصولهم لإتفاق على تولية ابو بكر الصديق، اساساً لإختيار الخليفة بما اطلق عليه بالشورى، الا ان الامر تم على عجل وهذا باعتراف عمر بن الخطاب الذي كان له الدور الحاسم في اختيار ابو بكر الصديق خليفة عندما اخذ يده وصفق عليها مبايعاً، فتبعه من كان موجوداً في السقيفة، فقد ادرك عمر خطورة هذه الخطوة المتسرعة في اختيار خليفة لرسول الله فقد روي عنها قوله نادماً لقد كانت مبايعة ابو بكر “فلتة وقى الله شرها”، وحديث عمر لا يفهم منه اعتراضه على شخص ابو بكر وانما التسرع باخذه البيعة بهذه الطريقة دون استشارة المسلمين.
     
    اذن تم حصر الخلافة في قريش واستثناء غيرهم منها، ويرى ابن خلدون ان هذا الامر ليس اساساً في الدين كون الاسلام كان في بداياته ويحتاج لعصبة تحميه فكانت عصبة قريش وهذا يفسر قول ابو بكر الصديق في السقيفة “ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا”، وتعمق هذا الصراع بظهور ما اخذ يعرف في التاريخ الاسلامي بالفرق الاسلامية والتي اتخذت مواقف متباينة من هذه المسألة، فقد رأى الشيعة ان هذا الامر اصل من اصول الدين ولا يترك للناس وجعلوه في ابناء علي بن ابي طالب من فاطمة بنت الرسول يتوارثوه حتى قيام الساعة، مستندين على احاديث ينسوبونها للرسو ل-عليه الصلاة والسلام- بينما رأى الخوارج ان الامر دنيوي وليس ديني فلا اختلاف على وجود الحاكم الا ان اختياره يقع على المسلمين دون تفضيل بالنسب معتمدين على قول الرسول-صل الله عليه وسلم- أسمعوا وأَطيعوا، وإِن استُعمل عليكم عبدٌ حبشيٌّ، كأن رأْسهُ زبيبة”.، وهذا ما ذهب اليه المعتزلة أي بالاختيار من المسلمين، بينما استمر موقف السنة ضبابياً في هذه المسألة بل وصل الامر الى إعطاء الشرعية للمتغلب سواء في الخلافة او الامارة مما عزز قوى الاستبداد في تاريخنا واصبح القيام على الحاكم الظالم والمستبد مكروهاً دينياً من باب درء الفتنة وحقناً لدماء المسلمين، مما ادى الى تعزيز هذه القوى وتفردها بالسلطة، وهذا ما جعل الخلفاء منذ العصر الاموي يتبنون اراء بعض الفرق كالمرجئة والقدرية لتعزيز سلطتهم وتكفير من يخرج عليهم.
     
    اخيرا وليس آخراً، عبارة الشهرستاني” ما سُل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الامامة في كل زمان” تلخص الازمة التي يعاني منها المسلمون، اذ استطاعت القوى المتغلبة والتي وصلت للخلافة بقوة السيف، باستثناء ما أُخذ يعرف بتاريخنا الاسلامي بالخلافة الراشدة والتي وصل فيها هؤلاء الخلفاء بأساليب متعددة كان القاسم المشترك فيها الشورى كان من الممكن البناء عليها، الى ان تم اجهاضها على يد معاوية وحولها الى ملكاً عضوض الى ان يشاء الله، كما يروى وينسب عن الرسول-صل الله عليه وسلم-، الا ان خطورة هذا الصراع ان المتغلبين عليه البسوه لباساً دينياً لإضفاء الشرعية عليه واصبح سيف التكفير وسيلة الحاكم وكهنته ليشهر على كل من يعارضه، ولا زلنا نعاني منه الى يومنا هذا، ليُفرخ الاستبداد السياسي استبداداً فكرياً واجتماعياً ودينياً، وانغلاقاً نشاهد اثاره على الافراد والجماعات بل والدول، ولن نخرج من هذا النفق المظلم الا بدراسة موضوعية لتاريخنا بعيدة كل البعد عن الانحيازات والمحرمات التي صنعها كهان الطغاة، فالكل يؤخذ عليه ويرد الا صاحب هذا القبر صل الله عليه وسلم.
     
     
    باحث وناشط سياسي
     
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.