تابعنا على فيسبوك

    

    الدراما التونسية تشهد ذروتها في رمضان 2019 رغم الهنات

    By متابعات / تلفزيون / السبت, 08 حزيران/يونيو 2019 13:32
    سامي الفهري يقتل "أولاد مفيدة" بلعبة الإعلانات والداعمين الذين فرضوا سوقا موازية داخل الدراما التلفزيونية التونسية.
     
    في ظل منافسة شرسة في الموسم الرمضاني الأكثر مشاهدة في تونس، كحال جل البلدان العربية من الماء إلى الماء، عرف رمضان هذا العام زخما إنتاجيا غير مسبوق بمستوييه الكمي والنوعي، وذلك بعد الانفتاح الإعلامي التسونامي الذي شهدته تونس ما بعد ثورة 14 يناير 2011.
     
     تشتّت اهتمام المشاهد التونسي في الموسم الرمضاني الحالي بين ستة مسلسلات بالتمام والكمال، هي تباعا: “نوبة” الذي بثته قناة “نسمة” الخاصة، و“المايسترو” الذي أعاد “الوطنية الأولى” (عمومية) إلى المنافسة بعد سنوات من الضياع، و“مشاعر” التونسي- الجزائري الذي بث في بادرة فريدة من نوعها بين قناتين متنافستين في توقيت واحد وهما: “قرطاج +” و“الحوار التونسي” الخاصتين، و“القضية 460” و“شورّب 2” على “التاسعة” الخاصة، وأخيرا “أولاد مفيدة” في جزئه الرابع الذي أعادت قناة “الحوار التونسي” بعثه من جديد بعد أن قدّمت في رمضان الماضي “تاج الحاضرة” التاريخي- الفانتازي، إن صحّ التوصيف.
     
    وطبعا هذا دون الحديث عن السيتكومات التي ملأت الفضائيات التونسية الخاصة منها والعمومية على حد سواء، والتي بلغت بلغة الأرقام هذا العام “خمسا عجاف”، إذا استثنينا منهما سلسلتي “دار نانا” اللذين بثتهما “نسمة” و“زنقة الباشا” بـ“الوطنية الأولى” على الترتيب، واللذين شهد استحسانا من النقاد ومُتابعة جماهيرية محترمة، ولو بنسب متفاوتة، ممّا يقيم الدليل على أن تونس عاشت هذا العام طفرة إنتاجية نوعية ستُمهدّ في قادم المواسم إلى صناعة درامية بدأت بوادرها تتشكّل سنة بعد أخرى.
     
    ومهما يكن من أمر كل ما سبق، فإن المُلاحظ في ظل كل هذا الزخم الإنتاجي، ذاك التراجع المُدوّي الذي عرفه مسلسل “أولاد مفيدة” في جزئه الرابع لمخرجه سامي الفهري صاحب قناة “الحوار التونسي” الخاصة. و“أولاد مفيدة” الذي انتهت قصته، أو هكذا خُيّل إلينا، في رمضان 2017، عاد إلى الحياة مُجدّدا هذا العام في سقطة فنية مُربكة لصُنّاعه، وهو الذي انتهت “خرافته” بعد أن قتل الابن الأكبر “بدر” (قام بالدور ياسين بن قمرة) والده “سي الشريف” (هشام رستم)، بعد أن اكتشف أنه ابن زنا، فانتهى بذلك السؤال الإشكالي للمسلسل الذي امتد لثلاث سنوات متتابعة “شكون ولدي؟” (من هو ابني) الذي كان يلحّ الشريف في طرحه على عشيقته “مفيدة” (وحيدة الدريدي) إلى أن انكشف المستور، وقتل الابن أباه وانتهت القصة.
     
    ومع ذلك كان لسامي الفهري مخرج العمل وواضع السيناريو أيضا، رأي آخر، فلعبة الإعلانات والداعمين الذين فرضوا سوقا موازية داخل الدراما التلفزيونية التونسية أساسها النجومية للنجم على حساب العمل ككل، جعلت المسلسل ينهار بشكل مُفزع رغم قيمة الممثلين المشاركين في جزئه الرابع ذي الإحدى عشرة حلقة فقط، والذي انتهى كعادة سامي الفهري بالقتل، حيث طعن “إبراهيم” (نسيم زيادية) شقيقه الأوسط “بيرم” (نضال السعدي) عن طريق الخطأ!
     
    السوق التجارية التي تتحكّم فيها ماكنة اللاعبين الكبار من أصحاب الماركات التجارية الكبرى الذين يموّلون قناة “الحوار التونسي” وغيرها من القنوات عبر ما يبثّ خلالها من إعلانات، أصابت مسلسل سامي الفهري هذا العام في مقتل، وهو الذي تعوّد كما أسلفنا أن ينهي كل جزء من مسلسله بجريمة قتل للمزيد من التشويق والإثارة والانتظار لجزء قادم، ربما؟
     
    لكن الفهري هذه المرة دون أن يدري، أو لعله يدري، قتل المسلسل أصلا بدخوله في مغامرة فاشلة بعدم إنتاجه لجزء ثان من المسلسل الحدث السنة المنقضية “تاج الحاضرة” التاريخي- الفانتازي بداعي كلفة الإنتاج العالية، فآثر على نفسه استسهال نجاح “أولاد مفيدة” بأجزائه الثلاثة الأولى، فسقط من شاهق.
    “الخُرافة” هي أساس الحكاية في المسلسل، مهما جمع من أسماء لامعة حوله كفتحي الهداوي وقابيل السياري ومعز القديري الذين أبدعوا، ودون شك، في الجزء الرابع من “أولاد مفيدة”، لكن في ظل انتهاء السؤال الإشكالي للمسلسل “من هو ابني؟”، وانكشاف الحكاية قُبرت القصة، فما الذي سيرويه سامي الفهري بعد ذلك؟
     
    هذا ما أجابت عنه استطلاعات رأي نسب المشاهدة والمتابعة للمسلسلات الدرامية المعروضة على القنوات التونسية في أوقات الذروة، والتي جعلت المسلسل يعيش أتعس حالاته منذ سنوات، ليرتدّ إلى مراتب دونية بعد أن كان في القمة، وذلك بعيدا عن التقييمات الأخلاقوية التي في رأيي لا تُقدّم ولا تُؤخّر، بل وتُؤخّر، فالفن هو صانع أخلاقه والمحرّك الأساس للأحداث الدرامية وإن اتسم بالعنف ونشر الفساد كما يدّعي بعض المُتحفّظين في العلن، المُنبهرين بشكيمة بدر وتحيّل بيرم والحظ الوافر لإبراهيم زير النساء، في السرّ؟!
     
    وإلى ذلك وجب إفادة من يهمّه الأمر أن تعريف ومعنى كلمة “الخُرافة” كما يرد في معجم المعاني الجامع، هو الحديث المستَمْلَحُ المكذوبُ، أي ما يشدّ الانتباه وإن كان غير منطقيّ، أما في التعريف الأدبي، فتعني: أسطورة أو قصّة قصيرة ذات مغزى أخلاقي غالبا ما يكون أشخاصها وحوشا أو جمادات، وهو فن قصصيّ خُرافيّ ذو مغزى يُمثِّل الحيوانات كشخصيات رئيسية في القصة، ولكن بصفات إنسانية سادت الخرافات اليونانية فترة طويلة.
     
    ومن هناك نفهم لماذا لم يتمكن “أولاد مفيدة 4” من أن يكون لا حديثا مستملحا مكذوبا يتفاعل معه الجمهور رغم علمه بزيفه، ولا أن يصنع أسطورته الحية التي شدت انتباه المُتابع التونسي لثلاثة أجزاء مُتعاقبة، في ظل غياب “الخُرافة” الأساس والملاذ لكل عمل ناجح درامي أو أدبي كان، والحال أننا قوم “قوّال” وشفوي يعشق بالسمع قبل العين دائما.
     
     
    صابر بن عامر
    كاتب تونسي
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.