تابعنا على فيسبوك

    ربيع الدراما التونسية يصنعه الفنانون الشباب ربيع الدراما التونسية يصنعه الفنانون الشباب

    ربيع الدراما التونسية يصنعه الفنانون الشباب

    By متابعات / تلفزيون / السبت, 08 حزيران/يونيو 2019 13:35
    مسلسل النوبة استحضر فترة زمنية وتمثلها لينطلق منها إلى الخيال، وفي "شورب" استحضار ضعيف لشخصية من التاريخ وتركيب حكايات مفتعلة
     
    شهدت الدراما التونسية هذا العام تنوعا لافتا، وتطورا هاما من حيث الكمّ والكيف. لكن تبقى هناك بعض الهنات التي يمكن تجاوزها، بينما صناعة الدراما في تونس تشهد تطورا لافتا، يقوده شباب جدد قادرون على عطاء استثنائي.
     
    كل تونسي يجد ضالته في المسلسلات التونسية هذا العام، ويبقى رواج أعمال على حساب أخرى، رهين ذائقة المتفرج.
     
    من المسلسلات التي وجدت إقبالا هاما مسلسل “شورب” في جزئه الثاني، للمخرج مديح بلعيد الذي يتناول شخصية “الفتوة” علي شورّب، (يجسدها الممثل لطفي العبدلي) وهو شخصية حقيقية، عاش بين 1930 و1972، حيث مات مقتولا.
     
    شورب الحقيقي ابن المدينة القديمة كان شخصية مركبة، وثرية، وهو ما لم يشتغل عليه صناع العمل في الجزء الأول، لكنهم حاولوا في الجزء الثاني الابتعاد بالشخصية عن الوقائع التاريخية التي تروى عن شورب، واختاروا أحداثا خيالية وشخصيات خيالية، وهو ما ابتعد بالشخصية عن الحقيقة ليبقى منها فقط الاسم.
     
    تناول التاريخ في الأعمال الدرامية أمر بالغ الحساسية، حيث يطرح أي تغيير إشكالا أخلاقيا مداره الصدق والكذب.
     
    كل عمل فني كذب يلبس ثوب الصدق، لكن أن تنعكس الصورة وأن تؤخذ الحقيقة إلى مدار الكذب، فهذا أمر آخر.
     
    ربما كان يمكن الاشتغال أكثر على النص، وتجاوز ارتباك الجزء الأول من المسلسل، والذي كان بتعلة ضيق الوقت، وكان يمكن التوغل أكثر في تفاصيل الحياة التونسية في فترة حياة شورب، إبان الاستقلال.
     
    يحسب للعمل هذا العام أنه قلص من مساحات العنف، رغم أن العنف فرضته شخصية الفتوة التي يتناولها المسلسل، لكن يمكن توجيهه حتى لا يكون العنف هو الغاية، بل الوسيلة النقدية والكاشفة وحمالة رسائل، وهو ما لامسناه قليلا في حوارات شورب والمراهق “كريتة” الذي كان ينهاه عن العنف ويحثه على مواصلة الدراسة والابتعاد عن مسار العنف الذي وجد شورب نفسه فيه.
     
    هناك مناطق مضيئة أكثر على الشخصية هذا العام، نجح العبدلي في إبرازها، خاصة الجانب الإنساني في الفتوة، جانب المزاح والنخوة، والألم الذي يعيشه البطل. ويبقى العمل متواضعا لم يذهب بعيدا في حياة المدينة التونسية وعوالمها.
     
     
    العمل الثاني الذي اتخذ وقائع تاريخية انطلاقة له هو “النوبة” والذي تناول حياة مدينة تونس في فترة أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الماضي، الفترة التي تمثل تغير النظام في تونس، والتي أطلق عليها المنقلبون على بورقيبة اسم “التغيير”.
     
    يتناول المسلسل التحضيرات لعرض تونسي فلكلوري شهير اسمه “النوبة” للمخرج فاضل الجزيري، ويتطرق المسلسل من خلال تحضيرات فرقة فنون شعبية من تونس العاصمة للمشاركة في العرض. لكن الأحداث تروم في النهاية كشف تفاصيل عن مدينة تونس وحياة سكانها.
     
    بجرأة تكشف الأحداث عن تفاصيل اجتماعية بين الحب والانتقام، وتجارة المخدرات، وتكشف حياة السجون بشكل آخر غير الذي اعتدناه في الدراما سابقا، حيث تفتح أبواب السجون بالفن ومن خلاله، ونعلم أن الكثير من الأغاني الشعبية التونسية ولدت في السجون، لتكون أصوات المهمشين، وهي فنون كان نظام بورقيبة يرفضها بشكل قاطع مواجها إياها بالمنع، لكن ذلك لم يمنعها من الانتشار.
     
    تناول الفترة الزمنية انطلاقا من واقعة حقيقية، كان ذكيا خاصة في الحوارات التي استعملت لغة ولهجة تلك الفترة في الأحياء الشعبية، كما كانت الأزياء من روح تلك الفترة أيضا، وهو ما خلق جوا حقيقيا للفترة الزمنية التي يتناولها المسلسل.
     
     
    المسلسل رغم ارتكازه على واقعة حقيقية وبعض الشخصيات الحقيقية من عوالم الفن أعيد تجسيدها باقتدار، إلا أنه أدخل تفاصيل خيالية، وهذا النمط من التناول للتاريخ ناجع وناجح، بل وضروري لأي عمل فني.
     
    “النوبة” ويقصد بها التونسيون نوعا من التجلي من خلال الموسيقى يشبه التجلي الصوفي، أظهر الموسيقى الشعبية التي تسمى في تونس “المزود” نسبة للآلة الهوائية، بشكل مختلف.
     
    “المزود” ليس آلة المنحرفين، والفن الشعبي ليس حضيضا، والمنحرفون ما هم إلا بشر في النهاية، قد يخطئون، لكنهم يحبون ويحلمون بالأفضل.
     
    “النوبة” عمل يغير نظراتنا إلى أبناء المناطق الشعبية وإلى هواجسهم، يكشف ما يعانونه وما يحلمون به.
     
    اللافت في عمل “النوبة” هو اعتماده على خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية ومعاهد السينما، مجموعة من الشباب والوجوه غير المكرسة، كان أداؤهم مختلفا ومميزا، يقودهم مخرج شاب هو عبدالحميد بوشناق، كان توجيهه للكاميرا ذكيا في زوايا كاشفة، أعطت العمل روحه المبتكرة.
     
    لا نسعى إلى مقارنة مسلسل “شورب 2” و“النوبة” لكنّ كليهما تناول واقعا حقيقيا وتاريخا حدث بالفعل، مرتكزا له، لكن هناك فرق بين أن تنجح في استحضار فترة زمنية وتمثلها والانطلاق منها إلى الخيال كما فعل “النوبة” وبين استحضار ضعيف لشخصية من التاريخ وتركيب حكايات مفتعلة، كما هو الحال في “شورب”.
     
     
    محمد ناصر المولهي
    كاتب تونسي
     
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.