تابعنا على فيسبوك

    
    أغاني الحراك هل يمكن أن تـُسجل في تراث الأغنية الجزائرية، أم هي فقط لحظة عابرة أغاني الحراك هل يمكن أن تـُسجل في تراث الأغنية الجزائرية، أم هي فقط لحظة عابرة

    عبدالرؤوف دراجي يكتسح الحراك الجزائري بأغنية تصبح أيقونته

    By متابعات / موسيقى / الأربعاء, 16 تشرين1/أكتوير 2019 11:39
    دراجي الذي يشتهر بلقب "سولكينغ" ومعناها "ملك الروح" لم تكن حياته الفنية سهلة، ولم تكن طريق الموسيقى ونوعها الذي اختاره للغناء في الجزائر متاحا له الحضور بجنب أنواع أخرى تسيطر على الساحة الفنية وتحتكر الأذواق.
     
    “يبدو أن السلطة تريد أن تشتري نفسها، الحرية هي ما تبقّى لنا. ولكن انتهى الأمر، لقد امتلأت الكأس عن آخرها. إنهم يصرخون في الأسفل، هل تسمع صوتهم؟ صوت العائلات المليء بالحزن. الصوت الذي يصلّي من أجل غد أفضل. اعذرني لأنني موجود، اُعذر مشاعري. وإذا قلت لك أنني سعيد كوني معك فأنا كاذب. اعذرني لأنني موجود، اُعذر مشاعري. بهدوء أطلب منك أن تردّ لي حريتي. حرية، حرية، حرية”.
     
    تلك فقرات من كلمات أغنية “الحرية” التي غدت بين حراك وحراك النشيد الرسمي له. أدّاها المغني الجزائري عبدالرؤوف دراجي، رفقة كتاب الأهازيج الرياضية الخاصة بأحد أعرق الفرق الرياضية الجزائرية “اتحاد العاصمة” الذين يطلق عليهم اسم “أولاد البهجة” وهم مجهولون لا يعرف أحد عددهم ولا وجوههم، بل تعدّهم بعض التقارير من أوائل الذين نزلوا للشارع في بداية الحراك، وكانوا وراء العديد من الشعارات والأغاني التي توالت في سماء الجزائر منذ ذلك التاريخ.
     
    أصبحت تلك الأغنية أيقونة خرافية يردّدها الكل، أطفالا وشبابا وشابات وحتى شيوخا، نساءً أميات ومتعلمات لا فرق. تسمعها في كل مكان وفي كل وقت، في الساحات، في المحلات، في الأسواق، في السيارات في رنات الهواتف، ومطلوبة حتى في أعرق الكباريهات والأعراس والحفلات. الكل يترنم بها، يعرفونها ويرددونها مقتنعين أنها تنطق بروحهم ومن روحهم، استقرت في الوجدان والضمائر كما لم تفعله أيّ أغنية من قبل ولن تفعله أبدا ما دامت هي صوتهم القادم من عمق الظلم والقسوة، من شوارع وأزقة وتفاصيل الحياة المضنية التي عاشها الإنسان الجزائري البسيط. حياة لا يعرفها الذين تملّكوا ونهبوا ثرواته وأمواله ومقدراته.
     
     

    ملوك الهامش
     
    دراجي الذي اشتهر بلقب “سولكينغ” ومعناها “ملك الروح” لم تكن حياته الفنية سهلة، ولم تكن طريق الموسيقى ونوعها ونعني به “الريغي” و”الراب” و”الهيب هوب” و”السول”، الذي اختاره للغناء في الجزائر متاحا له الحضور بجنب أنواع أخرى تسيطر على الساحة الفنية في الجزائر وتحتكر الأذواق. فمثله مثل البدايات السرية لأغنية “الراي” التي كانت تقريبا محرّمة وممنوعة، عانى الراب والهيب هوب والريغي من التهميش ومن ضيق المساحات التي يبرز فيها. ولم تلجأ الهيئات الرسمية لإشراك مؤدّي هذا النوع من الموسيقى في الحفلات التي تقام بمناسبات كثيرة إلا في ما ندر، وبقيت لهؤلاء هوامش قليلة جدا يظهرون فيها، وعندما انتبه العديد منهم إلى قوة تأثير شبكات التواصل الاجتماعية، ومنها اليوتيوب التي تمنح سرعة رهيبة ومذهلة للانتشار عمدوا وبإمكانات بسيطة إلى تسجيل أغانيهم وموسيقاهم فيها.
     
    وصل العديد منهم إلى قلوب الملايين من العشاق فبدأ الازدهار والشيوع، وكان من بينهم درّاجي المولود في العام 1989 بإحدى ضواحي العاصمة الجزائرية، وعندما نقول الضواحي فمعنى ذلك مناطق مأهولة بالسكان، وأحياء شعبية فقيرة مهمّشة تقاوم شظف العيش وهموم الحياة الصعبة.
     
    من هذه الأحياء بدأ مشاوره الفني المتواضع، أسس فرقة راب “أفريكا جانغل” وأصدر معها ألبومين. سجلت الفرقة أغانيها في اليوتيوب، غير أن أبواب الشهرة بقيت موصدة ولم تحقق الفرق نجاحات كبيرة، بسبب افتقارها لرؤية محددة واستراتيجية للتسويق ناجعة، وكما أسلفنا فجمهور الراب بقي جدّ محدود في تلك الفترة.
     
    مع الخبرة والطموح والإصرار على التفوّق والنجاح والتميّز والإيمان بالموهبة وبالطريق الذي يُنار من بعيد، قرّر السفر إلى فرنسا، وقيل أنه “حرق” وهي كلمة تعني الهجرة بطريقة غير شرعية واستقر بفرنسا 2014، صال وجال واستطاع في ظرف وجيز أن يحقق شهرة كبيرة بأغنية “حرب العصابات”، وقد حققت نسبة مشاهدة خرافية على مواقع النت بلغت الملايين، تعيد رسم معاناة المهاجرين الأفارقة في أوروبا، وكيف كانوا يقاومون العنصرية والاستغلال والظلم، غنّاها بلغة فرنسية دارجة عامية، إن صحّ التوصيف، من حيث سرعة التلفظ بالكلمات وتوظيف بعض كلمات العامية الجزائرية وإقحام أسماء زعماء أفارقة كنيلسون مانديلا للإشارة إلى ما مرّوا به من محن وصعاب.
     

    داليدا والحرية
     
    ظهر ذكاء دراجي من خلال اقتباسه مقطع من أغنية “بارولي، بارولي، بارولي” للفنانة العالمية الراحلة ذات الأصل المصري داليدا، تعبيرا عن وفائه لهذا الصوت المتميّز الذي حقّق شهرة بعد ظروف قاسية وأطلق اسمها على هذا الألبوم، وتخطّت الأغنية أيضا كل التوقّعات من حيث المشاهدة والمتابعة.
     
    وفي غمرة نجاحاته المتصاعدة في ترتيبات ألبومات الأغاني الفرنسية، حيث وجد تربة خصبة من خلال احتضانه ورعايته من طرف وكلاء وشركات بخبرات واسعة في التسويق والإشهار، وغيرها من الطرق والأساليب التي تصنع الفنان وشهرته، وهو ما كان يفتقده في مشواره بالجزائر، جاءت المظاهرات التي هزّت عرش النظام الجزائري حين خرج الملايين في حراك جماعي كبير ضد ترشح الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وما تلاها من اعتقالات وسجن ما عُرف بالعصابة من رجال أعمال ورؤساء حكومات ووزراء.
     
    جاءت أغنية دراجي “الحرية” وتغلغلت في الحراك وطارت في الجوّ، وخلقت لهذا الأخير نغمته وشعره وموسيقاه، وغدت فسحة تضاف إلى مطبخ الحراك الذي كان ينقصه نكهة جديدة تضفي عليه روح المقاومة والتحدّي، ومع أنها زادت من شهرة الفنان حيث لم يعُد خافٍ على أحد هوية هذا الفنان وحياته؛ كيف كان وكيف أصبح؟ فالصحافة الجزائرية عادت إليه وتكفّلت بتقديمه على النحو التالي، فهو في “العالم الحقيقي”، شاب جزائري مهاجر، طويل القامة، نحيف القوام، قمحي البشرة، سيظهر لاحقًذا في سترات “الكول غولي” ذات الياقة المدوّرة، والمعاطف الداكنة، مرتديا قبعة رياضية ونظارة فاتحة.
     
    وهو كغيره من المهاجرين الجزائريين غير الشرعيين كان يعيش وضعا اجتماعيا صعبا، مما دفعه الأمر إلى الاشتغال في عدّة مهن صغيرة؛ أسواق الخضر ومغاسل السيارات، وغير ذلك من الوظائف المُتاحة، وبدأت النعوت والألقاب تتوالى عليه؛ الإعصار، القنبلة الجزائرية العالمية القادمة، تسونامي فني، وغيرها.
     
    نجح سولكينغ في الاستحواذ على جسد الحراك وخطفت كلماته أسماع الجزائريين، فهي مكتوبة بلغة فرنسية جدّ بسيطة، لا تعقيدات فيها ولا بلاغة معقّدة، ولم تستعمل فيها الكثير من الآلات الموسيقية، تكاد تطغى عليها آلة القيثارة مع أصوات رجالية تؤدّي الأغنية دون تقنيات تحسين الصوت، وقد أدّاها الفنان بكثير من الحزن والتأثّر، ويظهر صوته مرّات ممزوجا بتقنيات تساعد على تنقية الصوت، أو ما يعرف بالروبوتيك.
     
    مثلما لم يكن أحد يتوقّع مفاجأة الحراك وما فعله بالشوارع طيلة أشهر، كذلك لم يتوقّع أحد النجاح الباهر لأغنية دراجي، فقد كان يمكن أن تمرّ هكذا أو تحقق في أحسن الأحوال نسب متابعة عالية في النت أو في ترتيبات “الهيت بارد” أو في سلّم الأغاني الفرنسية خاصة، كما درج عليه الفنان منذ أن احتضنته الشركات الفرنسية وتوابعها، وفعلته من قبل مع الشاب خالد ملك الراي والشاب مامي والراحل رشيد طه وغيرهم.
     
    هل يمكن أن تُسجل هذه الأغنية في تراث الأغنية الجزائرية المعاصرة وتخلد؟ أم هي فقط لحظة مرتبطة بحدث ما زالت معالم مستقبله غير واضحة؟ هل مقاييس النت دقيقة وعلمية وموضوعية لكي نعطي تقييما صحيحا وحقيقيا عن الحضور والانتشار؟
     
    هذه أسئلة تأتي بقوة رأسها كي تفتح الأبواب لفهم الظروف المحيطة بأي نجاح، خاصة ذلك الذي يأتي من خارج الأوطان؟
     

    ظاهرة ومأساة
     
    نجح دراجي ورياض محرز وجمال بلماضي في التألق في مجال عامّ يفهمه الجزائريون دون الذهاب إلى عباقرة آخرين في مجالات أخرى معقدة. نجح هؤلاء لأن الغبن والقهر والحقرة والتهميش، وهي عوامل تأتي بنتائج عكسية تولّد الشجاعة والإقدام والتحدّي قد تبهر وتدهش حتى أصحابها خاصة من يبحثون عن حرية أكبر وأوسع، وهو ما تنادي وتصرخ بها هذه الأغنية.
     
    الحفل الذي أقامه الفنان سولكينغ ومجموعة من الفنانين بعضهم أجانب كالمغنية الألبانية دوراتا دورا التي أدّت معه أغنية لاقت نجاحا كبيرا، وبعض الأفارقة المهاجرين من الجيل الرابع وبعض الجزائريين المغتربين وكلهم معروفون وسط الشباب الجزائري، جلبهم لمرافقته، لم يكن أحد يتوقع أن ينتهي بموت تراجيدي يشبه الملهاة لعدد من المعجبين، هكذا هو قدر الجزائري حتى عندما يصل إلى ذروة فرحه يموت بشكل مأساوي لا ذنب له فيه سوى أن يرى بأمّ عينيه ما كان يعتقد أنه مستحيل الرؤية أو أنه يسبح فقط في فضاء النت أو يصنع خارج حدوده بلده، ولا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتلمسه أو يحس به.
     
    جاء سولكينغ الظاهرة والخرافة والرمز إلى أرضه التي تتغذّى اليوم بمطر الحرية بعد جدب وقحط. أراد أن يكون بين معجبيه الذين يتتبعونه في حله وترحاله، يلتقطون كل كبيرة وصغيرة تتعلق به، فهم أول من يجب أن يحتفوا به. قدّم ما عليه فرحا ومنتشيا كأي فارس يمتطي فرس النجاح الذي طار به خارج هذه الأرض، لم يعرف ما حدث حسب منشور له وضعه في حسابه حيث تحسّر بألم على هذا الأمر، وقال “ما كان لي ولأصدقائي الفنانين أن نصعد إلى المنصة لو علمنا بهذا الحادث”. تلك أخلاق من تربى في حضن البؤس والشقاء مكابرا وفنانا مؤمنا أن قدره سيذهب به إلا حيث يريد. تعالت أصوات من هنا وهنا تلوم هذا وتلقي اللائمة على هذا. بل حتى من كتب أنه قبض الملايين مرتوية بدم هؤلاء.
     
    وقال آخر إنه لا يمكن أن يتحمّل المسؤولية في شيء، فليس هو من نظم وليس هو من وقف على الأبواب. وقامت السلطة بإقالات في صفوف المسؤولين الكبار في الدولة منهم خاصة المدير العام للأمن الوطني، ويقبع المسؤول الأول عن الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة في السجن باعتباره المنظم المباشر للحفل، ويخضع أكثر من 30 فردا للمساءلة القانونية من طرف العدالة.
     
    ربما كانت الجزائرية أو الجزائري وهو يتدافع للدخول إلى المكان الذي احتضن الحفل، يذهب أيضا نحو قدره المفجع، ولكن في قلبه الصغير لم يمت وإنما قدّم روحه الغالية فداء لمن يحب، لمثاله الأعلى، ولرمزه الأسمى كما فعل أجداده وشهداؤه من قبل. وتلك عقيدة أخرى متجذرة في أعمق الإنسان الجزائري.
     
     
    أبو بكر زمال
    كاتب جزائري
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.