تابعنا على فيسبوك

    
    الكناوة فن مغربي من عمق أفريقيا المحفوف بالكثير من الأسرار الكناوة فن مغربي من عمق أفريقيا المحفوف بالكثير من الأسرار

    الكناوة فن مغربي من عمق أفريقيا المحفوف بالكثير من الأسرار

    By متابعات / موسيقى / الأربعاء, 25 كانون1/ديسمبر 2019 11:46
    موسيقى كناوة المغربية تعانق العالمية مع جيمي هاندريكس والمعلم باكو وتدرج ضمن لائحة التراث اللامادي للإنسانية.
     
    أدرجت منظمة اليونسكو موسيقى كناوة ضمن قائمة التراث اللامادي للإنسانية. فقد قامت اللجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي، خلال اجتماعها، الأسبوع الماضي، في العاصمة الكولومبية بوغوتا، باعتماد موسيقى كناوة المغربية تراثا إنسانيا عالميا، لكونه تراثا موسيقيا مغربيا بعمق أفريقي وأبعاد فنية وروحية، يكشف عن الجذور الأفريقية لشعرية الغناء في المغرب.
     
    وافقت منظمة اليونسكو على إدراج موسيقى كناوة ضمن لائحة التراث اللامادي للإنسانية. ورحبت المنظمة الدولية بالملف المغربي، الذي أعده خبراء قطاع الثقافة في الحكومة المغربية.
     
    وأوضح بلاغ لوزارة الثقافة والشباب والرياضة أن الملف المغربي كان قد “أبرز الخصائص التاريخية والفنية والاجتماعية المميزة لهذا الفن. كما أبرز الجهود المبذولة للتعريف به والمحافظة عليه وتثمينه وضمان نقله إلى الأجيال الصاعدة”٬ وذلك انسجاما مع أهداف الاتفاقية الدولية لصون التراث اللامادي كما صادق عليها المغرب، وكذلك الاتفاقية الدولية المتعلقة بحماية أشكال التنوع الثقافي. كما تظل هذه الموسيقى تجمع ما بين نداء الحرية الذي حفز الأفارقة على الرقص والغناء والجهر بالكرامة، وما بين العمق الصوفي والروحاني الذي يضمن للأعمال الفنية الموسيقية إحساسها الأصيل وسموها المحلق.
     
     

    عالمية كناوة
     
    إذا كانت موسيقى كناوة قد حازت اعترافا دوليا من قبل منظمة اليونسكو، بعد أن وضعتها ضمن التراث الإنساني اللامادي، فإن هذه الموسيقى قد بلغت العالمية منذ نصف قرن تقريبا.
     
    لقد أبهرت إيقاعات كناوة كبار الحركات والموجات الموسيقية العالمية في الستينات والسبعينات، مع كات ستيفنز وراندي ويستون وجيمي هندريكس وبيتر غابرييل والمكسيكي كارلوس سانتانا، وكذلك مجموعة ليد زيبلينغ بقيادة روبرت بلانت ومجموعة بينك فلويد وسواهما من مجموعات الغناء الثوري والاحتجاجي، بما في ذلك ثورة تلك المجموعات على أنماط الإيقاعات وأشكال الغناء السابقة.
     
    كما لا يخفى تأثر مجموعة مغربية شهيرة هي “ناس الغيوان” بموسيقى كناوة، والتي تبقى رافدا من روافد المدونة الموسيقية الغيوانية، بفضل ما قدمه عبدالرحمن قيروش، المعروف بـ“المعلم باكو” منذ التحاقه بالمجموعة سنة 1974، قادما من مدينة مراكش، حاملا معه آلة السنتير، ونغمة روحية وطقوسية عميقة انضافت إلى باقي روافد “أهل الحال”، من قبيل المرجعية الملحونية، نسبة إلى “فن الملحون”، و“فن العطية” وإيقاعات عبيدات الرمى والحضرة وعيساوة غيرها.
     
    ويمكن أن نشير هنا إلى أعمال الغيوان الكناوية، وفي مقدمتها “البطانة”. وليس غريبا أن يلقي المعلم باكو كلماتها الافتتاحية، قبل أداء الأغنية، إضافة إلى أغنيات “غير خذوني”، “احنا ولاد العالم”، و“ضايعين”، و“اش جرى ليك أنادي أنا” التي يستهلها المعلم باكو أيضا بتقديم كلماتها، بينما اختار عمر السيد الطبل الكناوي لضبط إيقاع الأغنية ذات النغمة الكناوية الصريحة. والأمر نفسه مع أغنية “الصدمة” التي أبهر بها المعلم باكو جمهور العالم في الكثير من جولات المجموعة في أوروبا.
     
    وكان الأنثروبولوجي جورج لابساد في حديثه عن معلمي كناوة الصويريين قد أشار سنة 1975 إلى توقف المعلم باكو عن ممارسة “تاغناويت” أي فن كناوة، بعد التحاقه بمجموعة ناس الغيوان، التي جددت الموسيقى المغربية على حد قوله في ذلك الوقت.
     
    المدونة الكناوية لا تزال المرجعية الكبرى لميثولوجيا أفريقية مفقودة وهي مصدر هام جدا لدراسة الثقافة الأفريقية
     
    قبل ظهور مجموعة ناس الغيوان، كان المعلم باكو كناويا صرفا، مأخوذا بأنغام ورقصات الأفارقة المتطلعين نحو الحرية، ومتأثرا بالحركات التحررية في أوروبا، والفرق المسرحية والغنائية الثورية. فكان متحررا كبيرا، كما يشهد معاصروه في فترة شبابه بمدينة الصويرة. حينها، وفي منتصف الستينات، سوف يتعرف إلى الفرقة المسرحية ليفينغ تياتر، ليلتحق بها عازفا على السنتير. فكان يؤدي ما يشبه دور “الجوقة المسرحية” في هذه الفرقة. في تلك الفترة، سوف يرتبط عبدالرحمن بعضوة من تلك الفرقة المسرحية، واسمها كريستين، وكانت هي التي أطلقت عليه اسم باكو.
     
    بعد زواجهما، انتقلا إلى إنكلترا للعيش هنالك، غير أن باكو سرعان ما شده الحنين إلى طقوس كناوة وعوالم موسيقاها، فعاد مع زوجته إلى المغرب، وإلى مدينته الصويرة التي كانت قبلة لطوائف “الهيبي” المتحررين القادمين من دول أوروبا وأميركا. وفي أواخر الستينات، وخلال إحدى السهرات الموسيقية التي كانت تجمع هواة وفرق الموسيقى العالمية في الصويرة، سوف يتقدم الفنان العالمي جيمي هندريكس إلى باكو، في إحدى الجلسات الموسيقية، وسيجلس إلى جانب باكو، ليطلب منه العزف على السنتير دون أن يرافقه الإيقاع، بعدما بهرته هذه الآلة الموسيقية الاستثنائية.
     
    ثم أخذ قيثارته وصار يعزف برفقة المعلم باكو. ومن يومها، صار جيمي هاندريكس من أصدقاء المعلم باكو المولعين بموسيقاه الروحية والثورية. وظل جيمي هاندريكس يتردد على الحلقات الصوفية والكناوية للمعلم باكو، حين كان يقود فرقة “باند أوف جيبسيز”. ولعل هذا الفنان الأميركي ذا الأصول الأفرقية كان يرى في المعلم باكو وآلته “السنتير” وموسيقاه “كناوة” أصوله الروحية وجذوره الأفريقية.
     
     

    الجذور والمستقبل
     
    تُعزى تسمية كناوة إلى بلاد “غانا” في قلب أفريقيا، حسب الكثير من المؤرخين. ويستحضر الباحثون المعاصرون المهتمون بتراث كناوة ما ورد في “كتاب الجعرافيا” للمؤرخ الأندلسي محمد بن أبي بكر الزهري، من أعلام القرنين الخامس والسادس الهجريين. وقد أورد الزهري أن الرقيق كان يجلب من بلاد كناوة إلى المغرب وباقي البلدان العربية وبلاد الأندلس.
     
     وعلى نهجه سار المؤرخ والرحالة ياقوت الحموي في “معجم البلدان”، حيث يذكر أن “كناوة اسم قبيلة من البربر في أرض الغرب ضاربة في بلاد السودان متصلة بأرض غانا والأرض تنسب إليهم”. أما المستشرق رينهارت دوزي، فيورد في “تكملة المعاجم العربية” أن كلمة كناوة هي “اسم علم (غينيا)”. وهي “صناجات يستعملها الزنوج، وهي قطع صغيرة من الحديد مجوفة بشكل أسطواني تربط في الأصابع وتقرع الواحدة بأخرى”. وهي الصناجات التي يضرب عليها أعضاء فرق كناوة ويضبطون بها إيقاعاتهم. وتسمى “القراقب” عند أهل المغرب. ونسبة إلى غينيا، لا تزال عائلة تحمل اسم غينيا من ضمن أكبر عائلات كناوة في المغرب، برز من أعضائها اسم المعلم محمود غينيا والمعلم مختار غينيا.
     
    يأتي اعتماد موسيقى “كناوة” تراثا إنسانيا عالميا من قبل اليونسكو لينضاف إلى سلسلة المبادرات التي تسعى إلى الحفاظ على ذاكرة هذا اللون الفني المغربي وعلى مرجعياته الغنائية الأفريقية. تنضاف إلى ذلك مبادرات منتظمة على غرار مهرجان الصويرة الذي ينعقد تحت مسمى “مهرجان كناوة وموسيقى العالم”، ويرأسه المستشار الملكي المغربي أندري أزولاي. هذا الأخير الذي اعتبر مبادرة اليونسكو اليوم بمثابة “تكريس رائع لكناوة المغرب، الذي أضحت موسيقاه وتاريخه وعاداته مصنفة الآن ضمن قائمة التراث غير المادي لليونسكو”. بينما لا يزال فنانون كبار حريصين على استمرار هذا الفن “الكناوي”، بفضل اشتغالهم واجتهادهم، وفي مقدمتهم عبدالكبير مرشان، عبدالسلام عليكان، وباقبو وحميد القصري وآخرون.
     
    لكن أن هذا الفن لا يزال في حاجة إلى عناية أكثر جدية وأكثر علمية، تبدأ بتسجيل مدونته الموسيقية، و”ديوان كناوة” من حيث الكلمات والقصائد الآيلة للنسيان، إضافة إلى الرقصات التي تؤدّيها الفرق والمجموعات الكناوية، مع وضع أنطولوجيا خاصة بهذه المجموعات وأعضائها، فضلا عن إحصاء الآلات المستعملة وتصنيفها… والحال أن المدونة الكناوية لا تزال المرجعية الكبرى لميثولوجيا أفريقية مفقودة، لعلها تظل المصدر الوحيد لأي محاولة من أجل دراسة الثقافة الأفريقية، وهي الثقافة التي لا تزال محفوفة بالكثير من الأسرار الغميسة والأفكار النفيسة.
     
     
     
    مخلص الصغير
    كاتب مغربي
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.