تابعنا على فيسبوك

    الاحتكار في تونس: شبكاته تضرب الاقتصاد.. تسحق المستهلك.. وتتحدّى الدولة الاحتكار في تونس: شبكاته تضرب الاقتصاد.. تسحق المستهلك.. وتتحدّى الدولة

    الاحتكار في تونس: شبكاته تضرب الاقتصاد.. تسحق المستهلك.. وتتحدّى الدولة

    By ليدرز / دنيا الاقتصاد / الجمعة, 05 أكتوير 2018 10:46

    من الممارسات التجارية غير القانونية التي تشهدها تونس منذ عدّة سنوات والتي تنامت بشهادة الخبراء بصورة ملحوظة بعد 14 جانفي 2011، بسبب ضعف الدولة وأجهزتها الرقابية، التهريب والمضاربات والتجارة الموازية وغيرها. لكن يبقى الاحتكار الذي تمارسه شبكات مافيوزية أحكمت سيطرتها على مسالك توزيع العديد من المواد من أخطر الظواهر التي تضرّ بمصالح الاقتصاد الوطني وتهدّد مباشرة الطاقة الشرائية للمواطن، في خرق  صارخ للقانون المنظّم للمنافسة وللأسعار.

    في هذا الملفّ نسلّط الضوء في البداية على أهداف هذا القانون الذي شهد عدّة تعديلات منذ 1991 ونعرّف بالاحتكار ونبيّن أنواعه وأشكاله ، مع استعراض القطاعات الكبرى التي يمسّها . كما نكشف عن مواقع الاحتكار وطرق تنظّم شبكاته وأسلوب تحرّكها بدءا بتكوين أسعار المواد إلى ترويجها ونتناول آثاره المدمّرة  على الاقتصاد الوطني وعلى المستهلك ونوضّح مدى نجاعة مصالح المراقبة الاقتصادية في التصدّى للاحتكار والممارسات الاحتكارية. ونتطرّق في هذا الإطار إلى الدور الذي يضطلع به مجلس المنافسة المختصّ بالنظر في المخالفات المتّصلة بالممارسات المخلّة بالمنافسة مع عرض قضيّتين أقرّ فيهما بوجود احتكار.

    يشير السيد خليفة التونكتي وهو خبير اقتصادي له تجربة إداريّة وميدانية واسعة في مجال التجارة الداخلية وسياسة الأسعار إلى أنّ تونس تعتمد الاقتصاد الحرّ لكنّ  هذه  الحريّة مؤطّرة من طرف الدولة، ذلك أنّه في ثمانينات القرن الماضي وبعد أزمة البترول حدثت الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى وكان الحلّ الذي ارتآه الخبراء آنذاك هو مزيد تحرير الاقتصاد والحدّ من تدخّل الدولة في أغلب  دول العالم والتّوجه نحو نظام العولمة، لكنّهم اكتشفوا فيما بعد أنّ هذا التمشّي  يؤدّي في المطلق إلى زيادة في الاحتكار في الأسواق من طرف الشركات الكبرى ومتعددة الجنسيات. وللحدّ من هذه الظاهرة  برز تمشّ عالمي يدعو إلى تنظيم الاقتصاد من خلال وضع تشاريع تضمن  المنافسة في السوق وذلك بالتوازي مع  بعث المنظمة العالمية للتجارة سنة 1995 بهدف وضع قواعد  التجارة العالمية بين الدول ومراقبة احترامها.

     


    تنظيم المنافسة والأسعار

    بادرت الحكومة التونسية، قبل ذلك التاريخ ، بإصدار القانون عدد 64 لسنة 1991 المتعلّق  بالمنافسة والأسعار وقد جاء لينظّم   المعاملات الشفافة  في السوق  ومنع الاحتكار. ويندرج القانون  في إطار الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد التونسي التي تمّ إقرارها ومن أهمّها مراجعة التشريعات في اتّجاه مزيد تحرير الاقتصاد بوضع قانون المنافسة والخوصصة للتخفيض من احتكارات الدولة وحذف التراخيص وتحرير التجارة الخارجية.

    وأُحدث بمقتضى القانون المشار إليه مجلس المنافسة، معوّضا لجنة المنافسة وهو هيئة  إدارية خاصّة  لها استقلالية  وشخصيّة اعتبارية، تنظر في الدّعاوى المتعلّقة بالممارسات المخلّة بالمنافسة وتبدي رأيها في المطالب الاستشارية.

    وشهد قانون 1991 خمسة تنقيحات كان آخرها في سنة 2015 فصدر القانون عدد 36 لنفس السنة المتعلّق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار.

    ويلاحظ الخبير السيد خليفة التونكتي أنّ أهداف هذا القانون تتمثّل في تحقيق المنافسة في السوق للتحكّم في الأسعار وتطوير الإنتاج والجودة  وحماية المستهلك وتوفير الخدمات وتحسينها. وقد جاء لحماية حرية دخول السوق والمنافسة الفعلية. لكن رغم ذلك تبقى الدولة تتدخّل في بعض القطاعات للتعديل وهذا في كل اقتصاديات العالم إمّا بالتشريعات أو بالتدخّل المباشر في بعض المجالات مثل الماء والكهرباء والأدوية .. لكن التوجّه العالمي اليوم يسير نحو التقليص من تدخّل الدولة في الاقتصاد أقصى ما يمكن ويكون الحدّ منه بفتح بعض القطاعات للخواص مثلما فعلت تونس في النقل البّري والاتّصالات وصناعة الإسمنت وفي المستشفيات وغيرها... لكن يبقى الدور التعديلي للدولة قائما مع المحافظة على بعض المؤسّسات كالبنوك مثلا . ويهدف التحرير إلى مزيد الفاعلية  والتجديد في الاقتصاد بما أنّ إمكانيات الدولة محدودة مقارنة بالقطاع الخاص ولا تستطيع التطوير بالقدر الكافي وقد يكون ذلك لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية بينما الخواص قادرون على جلب تكنولوجيات حديثة وتحسين الإنتاجية والجودة وأحسن مثال على ذلك اتصالات تونس إذ أدّى التحرير إلى مزيد الفاعلية والجودة والتطوّر. كما يضع التحرير التاجر تحت الضغط دائما بسبب المنافسة القائمة وحرية السوق والبحث عن تحسين جودة المنتوج نظرا إلى أنّ السوق غير مطمئنة للتاجر وغير مؤكدة النتائج.

     


    ما الاحتكار ؟

    يعرّف السيد حسام التويتي مدير الأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة الاحتكار على أنّه: «التحكّم في عرض المنتوج قصد  التأثير على تكوين الأسعار وفق قاعدة العرض والطلب للترفيع في مستوياتها بصفة اصطناعية تصل إلى مستويات مشطّة لتحقيق أرباح إضافية بطرق ملتوية وغير مشروعة» ويبرز الاحتكار، حسب السيد حسام التويتي،  خاصّة خلال فترات اضطراب في التزويد والتوزيع نتيجة عوامل هيكلية مثل الخلل في الإنتاج الفلاحي المرتبط بالعوامل المناخية ممّا يقلّص المساحات المزروعة. ويغيب الاحتكار عندما تكون هناك وفرة في الإنتاج.وأضاف أنّ الاحتكار طفا على السّطح خاصّة بعد 14 جانفي 2011 وتنامى بسبب تراجع سلطة الدولة حيث بلغت أسعار بعض المنتوجات مستويات قياسية.

     


    أنواع الاحتكار والممارسات المخلّة بالمنافسة

    يوضّح الخبير السيد خليفة التونكتي أنّ الاحتكار نوعان . النّوع الأوّل هو احتكار الدولة وعادة يكون الاحتكار الطبيعي ناتجا عن  وضعية تاريخية مثل احتكار الكهرباء والماء والنقل الحديدي أو احتكار  للمصلحة العامة كخيار استراتيجي في قطاعات حسّاسة  كالدواء والفسفاط والتبغ والسكر والقهوة والشاي والحبوب. وفي هذا النّوع تلعب الدولة دورها التعديلي وعادة لا تتدخّل فيه سلطة المنافسة لأنّه من المفروض أنّ الدولة لا تقوم بتجاوزات كما أنّ سلطة المنافسة ليس لها صلاحيّة محاسبة الدولة  في اختياراتها. إلا أنّ المؤسّسات العمومية تخضع في ممارساتها المخلّة إلى المراقبة.

    أمّا النوع الثاني فيتعلّق باحتكار الخواص الذي يؤدّي إلى تجاوزات وتراقبه سلطة المنافسة وهي وزارة التجارة ومجلس المنافسة ، للتأكّد من وجود احتكار من عدمه أو استعمال مفرط له أو من استعمال الممارسات المخلّة بالمنافسة في كلّ أشكالها  كأشكال التواطؤ المختلفة مثل الاتّفاق على سعر البيع أو الشراء أو على مواد أولية أو على إغراق السوق بسلعة معيّنة أو الامتناع عن  توفير مواد أوّلية أو الامتناع عن تزويد السوق أو الاتفاق في صفقات عمومية والهدف من ذلك بالنسبة إلى المحتكر هو الهيمنة أو منع المنافسة في السوق أو استعمال النّفوذ في القطاع أو منع طرف ثالث من الدخول إلى السوق.

    ويؤكّد محدثنا أنّ الاحتكار ليس ممنوعا عموما لكن استغلال الاحتكار Abus de monopole ممنوع. ويمنع القانون إنتاج وضعية احتكار بالاستيعاب أو الإندماج أو الاستحواذ (التركيز الاقتصادي الداخلي أو الخارجي) لأنّ الحرية في السوق لا يجب أن تؤدي إلى الهيمنة ولهذا السّبب تراقب سلطة المنافسة ذلك وتمنعه إذا كان سيؤدّي إلى الاحتكار كشراء مؤسّسة أو اندماج مؤسّستين أو أكثر ممّا ينتج عنه وضعية هيمنة وسيطرة على السوق بنفس الإنتاج أو بإنتاجين متكاملين. وفي هذه الحالة لا بدّ من استشارة سلطة المنافسة قبل الشراء أو الدّمج لتسمح بذلك أو تمنعه. كما يمنع  التشريع استعمال قوة السوق واستغلالها وتوظيفها Abus de position dominante.

    وينبّه الخبير إلى ضرورة التفريق بين الاحتكار من ناحية وبين المضاربات والإغراق (dumping) من ناحية ثانية لأنّ المضاربات هي اتفاقات ومفاهمات للبيع مثلا بسعر واحد لمنتوج معين وهي ممارسة ممنوعة. أمّا الإغراق فيتمثّل في عرض منتوج في السوق بكمية كبيرة وبسعر بخس ممّا يمنع المنتوجات المماثلة من دخول السوق ويمكن أن تقع تلك الممارسة بمنتوج مستورد من الخارج وفي هذه الحالة تتمّ حماية السوق عادة  بالرفع في المعاليم الديوانية أو بإجراءات أخرى.

     


    مناخ المنافسة في تونس

    يتميّز مناخ المنافسة في تونس بجملة من الخصائص تتلخّص في ما يلي:

        - الأوضاع الاحتكارية في عدد كبير من القطاعات والاستغلال المفرط لوضعية الهيمنة.

        - وجود قطاع عمومي احتكاري  يتمتّع بحماية مفرطة أو مطلقة  بتعلّة المصلحة العامة، ممّا يؤدّي إلى تدهور جودة الخدمات وتدنّي الفاعلية الاقتصادية.

        - منح امتيازات بتعلّة المصلحة أو الخدمات العامّة عادة ما تعيق التطوّر الاقتصادي ونجاعة توظيف الموارد.

        - تأخّر إصلاح القطاع العمومي وتفكيك الاحتكارات، ممّا يعيق النموّ والابتكار.

        - التشريع الاقتصادي وغيره عادة ما يحتوي على أحكام تعرقل المنافسة وسهولة دخول السّوق. وتخضع صياغة هذه النّصوص إلى معطيات  تاريخية واجتماعية وظرفية يصعب تجاوزها بسهولة.

        - آليات تطبيق القانون لا تزال في بدايتها وتختلف من حيث الأسلوب والإمكانيات عمّا هي عليه في الدّول المتقدّمة.

        - الممارسات الاحتكارية والمخلّة بالمنافسة متعدّدة الأشكال والأساليب ويصعب التفطّن اليها من طرف المؤسّسات المعنية بالمراقبة نظرا إلى نقص الخبرات والإمكانيات.

        - وجود تدخّل حكومي في الاقتصاد مبرّر أو غير مبرّر عادة ما يستند إليه القطاع الخاصّ لعدم الكفاءة أو للحماية من المنافسة الحقيقية ممّا يعيق المبادرة والتّجديد.

        - عدم توفّر مناخ ملائم للمنافسة الحقيقة  نظرا إلى تعدّد العراقيل وتشعّب الإجراءات الإدارية ممّا يعرقل دخول السّوق والخروج منه.

        وتمنع هذه العوامل وغيرها توفّر المنافسة الحقيقية وهو السبب الرئيسي لتدنّي التنافسية وتدهور جودة المنتجات وتراجع الاستثمار وارتفاع نسبة التضخّم في تونس

     

    خالد الشّابي

    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.