تابعنا على فيسبوك

    الموسيقى الحزينة وسيلة لتخطي المراحل الحرجة بأقل الخسائر الموسيقى الحزينة وسيلة لتخطي المراحل الحرجة بأقل الخسائر

    الموسيقى الحزينة وسيلة لتخطي المراحل الحرجة بأقل الخسائر

    By متابعات / عالم الصحة / الثلاثاء, 04 ديسمبر 2018 11:10
    دراسة تؤكد على أن الناس يختارون بإرادتهم الاستماع للموسيقى الحزينة، كرد فعل مباشر على شعورهم بالحزن وحين يكون مزاجهم باتجاه سلبي.
     
    أضاء الفيلسوف الروماني أميل سيوران منطقة معتمة في الروح البشرية بعد أن أهدانا قراءة متفردة للموسيقى، فكان يراها "منظومة وداع، توحي بفيزياء ليست نقطة انطلاقها من الذرات بل من الدموع". يتعلق هذا الوصف بصورة أكثر دقة بالموسيقى الحزينة والأغاني التي ترافقها لتحوّلها من سيل جارف غامض من المشاعر الجياشة، إلى قوالب تعلّب الحزن، تروضه وتتصدى لتداعياته، في بيئة آمنة ومحمية.
     
    تنطوي هذه العملية النفسية على فكرة التطهير أو التنفيس، التي تعد محوراً مهماً في نظريات علم النفس الحديث حيث تجد المشاعر الحزينة والغاضبة التي تم قمعها ونسيانها متنفساً لها وتعمل الموسيقى على تنقية شحنات الغضب والشفقة والخوف والحزن، على أمل التحرر منها في ما بعد. كما استخدم فرويد مصطلح التطهير في فنيات التحليل النفسي بمعنى التفريغ العقلي، ذلك عندما وصف طريقه علاجه لمرضاه المصابين بالهستيريا.
     
    وكان أرسطو أول من طرح فكرة “التطهير”، بمعنى الانفعال الذي يحرر الإنسان من المشاعر الضارة، واعتبر الموسيقى “الكاتراسية” أو التطهيرية صالحة لعلاج بعض الحالات المرضية، إذ أنها تسيطر على المستمع وتمتلكه لتحقق النشوة الانفعالية.
     
    ويلجأ بعض الناس عادة من خلال الاستمتاع بالموسيقى والأغاني الحزينة إلى إعادة استذكار وتفسير تجاربهم المريرة، وبالتالي اختبار المشاعر ذاتها بعد معايشة الحدث ولو بصورة تخيلية. ويذهب بعض علماء النفس إلى وصفها باعتبارها عملية (إعادة تقييم معرفي)؛ إعادة تأطير أو إعادة صياغة وهي استراتيجية لتنظيم المشاعر تمتلك عادة القدرة على كبح الانفعالات وتخفيف تأثير الصدمات الانفعالية الكبيرة. يعادل هذا مفهوم، رؤية الجانب المشرق في الشيء المعتم؛ أي أن الأشخاص الذين خبروا حالات من الإحباط والحزن أو الخسارة يحاولون القيام بشيء ما، للبحث عمّا هو إيجابي في أحلك الظروف. على الرغم من أن معظم عمليات إعادة التقييم (للمواقف أو الحالة)، تميل إلى الاتجاه الأكثر تفاؤلاً، إلا أنه من الممكن أيضاً أن يعاد التقييم سلباً لتغيير وجهة نظر ما إلى ما هو أسوء.
     
    وأكدت الباحثة في مجال علم نفس الموسيقى، فان دين تول من جامعة كينت البريطانية والباحثة جين ادواردز من جامعة لايمرك الأيرلندية، في دراسة مشتركة عنوانها “كيف ترتبط استراتيجية اختيار الموسيقى بإعادة التقييم والتنظيم الذاتي وتحسين المزاج”، نشرت نتائجها على الإنترنت العام 2014، على أن الناس يختارون بإرادتهم الاستماع للموسيقى الحزينة، كرد فعل مباشر على شعورهم بالحزن وحين يكون مزاجهم باتجاه سلبي.
     
    وتساءل باحثون عن السبب الذي يدفع أغلب الناس للجوء إلى هذا النوع من الموسيقى تحديداً، خاصة عندما يسيطر عليهم الإحباط واليأس وألم الخسارة.
     
    وتشير نتائج عدد من الدراسات الحديثة في هذا المجال، إلى أن الناس يمكنهم استخدام استراتيجيات مختلفة لاختيار الموسيقى، وهذه الاستراتيجيات تعتمد على طبيعة الموقف الذين هم بصدده. عندما يختار الناس موسيقى ذات قيم جمالية عالية، فهم في الغالب يهدفون إلى إلهاء أو تعديل مزاجهم، وحين يستخدمون استراتيجية خيار تحفيز الذكريات فهم يفعلون ذلك استرجاع ذكريات معيّنة أو إعادة التجربة بجميع مؤثراتها عن طريق الموسيقى التي ترتبط بها.
     
    عموماً، تشير نتائج البحوث في هذا الجانب إلى أن تحسين المزاج يمكن تحقيقه مباشرة كنتيجة لاختيار الاستماع للموسيقى الحزينة، وهي بالضرورة ذات قيمة جمالية عالية، بمعنى، أن الناس قد يختارون عن قصد هذا النوع من الموسيقى لتحسين مزاجهم أثر تعرّضهم لسلسة من الأحداث المزعجة.
     
    من جانبها، ترى الباحثة الكندية المستقلة المتخصصة في فلسفة الموسيقى والفن د. جانيت بيكنيل؛ أن هناك بعض الأغنيات التي تحمل رسائل معيّنة من خلال كلماتها، فمؤلفو الأغاني يعزفون دائماً على الوتر الحساس للمتلقي، باعتبارهم أشخاصاً سمعوا أو عاشوا بأنفسهم تجارب مشابهة وجدوا أنفسهم فيها بمواجهة اليأس والحزن وفقدان الأمل بالمستقبل، لذلك فهم الأقدر على تمرير مشاعرهم هذه من خلال التعبير عنها بالكلمات والنغمات الحزينة، فنشعر كما لو أننا نستمع إلى شكوى صديق وننصت لأسراره ونشاطره آلامه أو يشاطرنا آلامنا. ويعدّ هذا نوع من المشاركة الوجدانية لأصحاب قلوب جريحة وجدوا أخيراً من يبثونه همومهم حتى من دون الحاجة إلى لقاء.
     
    وتهدف تجربة الاستماع للموسيقى في حالات الحزن إلى الحصول على الدعم العاطفي، حيث تتمثّل الموسيقى في هذا المفهوم باعتبارها صديقاً يمكن أن يتعاطف معك ويواسي وحدتك؛ فالموسيقى هي اللغة العالمية الوحيدة التي يفهمها البشر بنفس المستوى وعلى نفس القدر من المهارة، حيث تبدو الحياة من دونها خطأ فادحا.
     
    وتنطوي تفاصيل الموسيقى في الغالب على إشارات مرور معيّنة تتيح للمرء عبور المرحلة الحرجة بأقل الخسائر الممكنة، أو الالتفاف حولها ومواصلة العيش بعيداً عنها.
     
    الموسيقى الجيدة، وفي أغلبها حزينة، تستطيع أن تنتزعنا من الحاضر وتبعدنا ولو بصورة مؤقتة عن واقعنا الذي نحاول الهروب من تداعياته على ألاّ يكون هذا الهروب بصورة كاملة، فالاستخدام المفرط للموسيقى الجيدة يمكن أن يكون علامة على الانفصال عن الواقع، ومع استمرارنا في تبنّي هذا النوع من الهروب فهذا يعزز ضعف تكيّفنا النفسي وقدرتنا على تخطّي الأزمة.
     
    في حين، يستخدم بعض الأشخاص الموسيقى والأغاني الحزينة لتفعيل الذاكرة، تلك الموسيقى التي ترتبط بأشخاص أو أحداث سابقة في صيغة الرغبة في استرجاع ذكريات تتعلق بهم وهو الأمر الذي يتعلق بمصطلح “الاقتران الشرطي”، الذي يستخدمه علماء النفس؛ بمعنى أن استثارة انتباهك للحزن تجاه مقطوعة موسيقية محددة قد يكون مشروطاً بحدث ما لكنك لا تعرف هذا الحدث، ويخفق هذا الاتجاه عادة في تحسين المزاج أو تخفيف الحزن.
     
     
    نهى الصراف
    كاتبة عراقية
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.