تابعنا على فيسبوك

    "الكاراكوز" في تونس ينسحب من المسرح ليستقر ديكورا في المنازل "الكاراكوز" في تونس ينسحب من المسرح ليستقر ديكورا في المنازل

    "الكاراكوز" في تونس ينسحب من المسرح ليستقر ديكورا في المنازل

    By قسم التحرير / دراسات / الخميس, 25 أكتوير 2018 10:34
    تونس تحافظ على أصول فن الكاراكوز بالإبقاء على الشكل الأول لفن العروسة المسطحة والذي يتناول مواضيع اجتماعية وسياسية وثقافية بصبغة نقدية.
    قبل الراديو والتلفزيون كان الناس يجتمعون في تونس في المقاهي والدكاكين للسّمر، وظهر في العاصمة “الكاراكوز”، وهو تعبيرة فنية تتمثل في عروس من القماش يروي من خلالها بعض الظرفاء الهموم اليومية وظلم الساسة بين الساهرين في أجواء من الدعابة والسخرية إلى أن تطورت وأصبح يطلق عليها مسرح خيال الظل، لكنها تعاني اليوم من تراجع الانتشار.
     
    تونس – ما إن يتجول الزائر في أروقة المدينة العتيقة بالعاصمة تونس، حتى تعترضه في المحال التجارية دمى معروضة على واجهات التحف التقليدية، تتمثل أغلبها في شكل جندي يحمل درعه وسيفه استعدادا للنزول إلى حلبة القتال.
     
    الجميع هنا يطلق على هذه الدّمى ذات الأحجام المختلفة اسم “الكاراكوز”، وبالعودة إلى أصول هذه اللفظة نجد أنها تعود إلى العهد العثماني وتعني اصطلاحا مسرح خيال الظل.
     
    خيال الظل عند العثمانيين هو عبارة عن فرجة درامية تعتمد على تقديم مجموعة من القصص والحكايات، بتحريك مجموعة من الشخصيات عن طريق الإشعاع الضوئي الذي ينعكس على شاشة الرصد.
     
    ويحرك هذه الشخصيات بعض الخياليين الذين يمثلون القصة بمستويات صوتية مختلفة، وغايتهم من وراء ذلك إمتاع المشاهدين وتسليتهم والترفيه عنهم.
     
    يقول محمد مسعود إدريس -الأستاذ بالمعهد العالي للفنون الدرامية في تونس- عن مسرح خيال الظل “ظهرت هذه التعبيرة الفرجوية من خلال شخصية الكاراكوز أو الأراغوز في تونس خلال فترة الدولة العثمانية واقترنت بنقد أحد الحكام آنذاك عرف بقساوته وظلمه للشعب، فكانت شخصية الكاراكوز انتقادا للواقع السياسي السائد”.
     
    والكاراكوز في تونس هو شخصية البطل في مسرح خيال الظل، يرافقه فيه كل من زميله “حزيوز”، و”زينة” التي تمثل رمز الفتاة الجميلة والأنيقة، وتعرف شخصيته بروح الدعابة، الممزوجة بالبراعة والسذاجة، وهو كذلك المعلم  الذي يعرف الحقيقة من القلب، وغالباً ما تكون عباراته أقرب إلى الحقيقة البشعة.
     
    ويقول المختص بفن العرائس في المركز الوطني لفن العرائس (حكومي)، محمد البشير جلاد، إنّ “هذا الفن يسمّى فن العروسة المسطحة، وقد قدم إلى تونس عن طريق العثمانيين في القرن السادس عشر، فانتشر أوّلا في الحلفاوين، أحد الأحياء القديمة وسط العاصمة تونس، حيث كانت تُقام عروض قصيرة في دكاكين خاصة كل مساء”.
     
    ويضيف “عقب يوم منهك وشاق، كان الباعة والعمال في حي الحلفاوين يختارون أحد الدّكاكين، ليقيموا فيه جلسة ترفيهية من خلال عرض مسرحي هزلي مضحك كانوا يطلقون عليه تسمية الكاراكوز”.
     
    ويتابع جلاد “كان الباعة من المغرمِين بهذا الفن يرسمون تلك الشخصيات ويجسدونها ومن ثم يضعونها على الحائط أو على خرقة قماش فينعكس النور عليها، ومن هنا انطلقت عروض مسرحية وأعمال فنية بشكل مبسّط وكانت تدوم بين 10 و15 دقيقة”.
     
    ويوضّح أنّ فن العروسة المسطّحَة، المسمّى أيضا مسرح خيال الظل، كان وسيلة يتخذها التجار آنذاك للترفيه، فيختارون مواقف يوميّة ويجسدونها في مسرحيات فكاهية خفيفة.
     
    وبمرور الوقت تطوّر هذا الفنّ، وخرج شيئا فشيئا من الأحياء التقليدية ليتناول مواضيع اجتماعية وسياسية وثقافية بصبغة نقدية، حسب قول المختص.
     
    ويشير جلاد إلى أنّ تونس بقيت محافظة على أصول فن الكاراكوز، بالإبقاء على الشكل الأول للعروسة المسطحة، وهي نفسها الموجودة حتى يَومنا هذا في تركيا بلباسها وألوانها وزينتها.
     
     ويقول الباحث المختص في فنون مسرح الظل محمد بن عزيز، إن تنظيم فن مسرح الظل بدأ إثر تأسيس فرقة مسرح العرائس بتونس سنة 1974 ثم المركز الوطني لفن العرائس 1993 والذي يمكن اعتباره الانطلاقة الحقيقية لفن العرائس في تونس.
     
    ويلفت الجلاد إلى أنّ العرائس المعتمدة اليوم في الوسط الفني تطوّرت فاتخذت أبعادا ثلاثية، إذ تجد أشكالا لجنود ونساء ورجال، وهو ما جعل “فن العروسة المسطحة” مهددا بالتلاشي.
     
    وبلهجة متحسرة، يستأنف جلاد حديثه قائلا “هذا الفن ليس منتشرا بصفة كافية، لأنه ليس هناك فعلا من يهتم بفن العروسة المسطحة، عدا قلة قليلة”.
     
    ويردف مبينا أنه من بين القلائل المهتمين بهذا الفن، وأنه قدّم مسرحية “كيف لا أحب النور” في مدينة مدنين جنوبي البلاد، اعتمد فيها على العرائس المسطحة، مشيرا إلى أن المسرحية تواصلت على مدى ساعة كاملة.
     
    ويرجع العرائسي سبب انتشار العرائس ثلاثية الأبعاد إلى أن “العروسة المسطحة مكلفة، وأنّ الفنانين الذين يهتمون بميدان فن العرائس يشتغلون على تقنيات أخرى”.
     
    ويبيّن أن “التكلفة المادية تتمثل في شراء جلود ماعز، واعتماد معدات وأدوات زينة عادة ما تكون باهظة الثمن؛ فكل جزء من العروسة قد يتطلب ثلاثة أو أربعة أيام من القص وإلصاق الأجزاء ببعضها البعض”.
     
    ويمضى قائلا “نحن في المركز الوطني لفن العرائس نسعى إلى إحياء هذا الفن، ونحاول نشره أكثر في المعهد العالي للفن المسرحي، وكذلك عن طريق ورش للفنانين عموما”.
     
    وفي الوقت الراهن، هجرت بعض عرائس الكاراكوز ثلاثية الأبعاد خشبة المسرح، وأخذت طريقها نحو بعض البيوت لتحل فيها كتحفة فنية تزين أركانها.
     
    وفي هذا الصدد، يقول العرائسي “أنا لست ضد أن يكون في الفن جانب تجاري، حتى ينتشر بشكل أكبر، وحتّى يُقبل الجميع عليه فتأخذ العروسة مكانتها في تونس”.
     
    من جانبه، أشار محمّد رياض بن غربال -وهو تاجر أدوات زينة قديمة بالمدينة العتيقَة- إلى أنّ “دمية الكاراكوز خرجت تدريجيا من المسارح، وأصبحت اليوم تحفة فنية يقبل عليها الكثير من التونسيين والسياح الأجانب بغرض تزيين أركان البيوت”.
     
    وانتقل مسرح الظل إلى مسارح أوروبا في سنوات الأربعينات من القرن الماضي وذلك في إطار عمليات تثاقف ونقل تجارب بين فنانين وفرق مسرحية من هنا وهناك.
     
    و انتشر مسرح خيال الظل في بداية القرن الماضي خاصة في دول شرق آسيا كالصين واليابان، وتايلندا، وارتبط خاصة بالخلفيات الثقافية التي أثرت بشكل كبير في أنماط وتعبيرات مسرح الظل، لذلك يتحدث الباحثون والنقاد عن مسارح الظل وليس عن مسرح الظل.
     
    واهتمت اليونسكو بفنون مسرح الظل في دول شرق آسيا على غرار فن “السبيكترون” في الصين وبحثت في دلالاتها الثقافية والحضارية وكذلك تلك التعبيرات الثقافية لمجموعات الخمير الحمر في كمبوديا والتي مثلت لاحقا مصدر إلهام  لأجيال من العرائسيين في أوروبا.
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.