تابعنا على فيسبوك

    تالة مدينة العيون وجهة سياحية تونسية تأسر مرتاديها تالة مدينة العيون وجهة سياحية تونسية تأسر مرتاديها

    تالة مدينة العيون وجهة سياحية تونسية تأسر مرتاديها

    By متابعات / دنيا السياحة / الإثنين, 11 شباط/فبراير 2019 11:36

    زائر تالة يشده إليها البناء العمراني وأحياؤها ذات الأنهج الضيقة وسقفها المغطى بالقرمود، لكن أشهر ما تُعرف به هو جبالها الشامخة وسهولها المنتشرة.


    أشد ما يحتاج إليه السائح في فصل الشتاء هو جولة سياحية جبلية تأخذه إلى تالة من محافظة القصرين، أين يحظى بمتعة مكان يجتمع فيه جمال الطبيعة وانسيابها مع ثراء التراث التاريخي وتعاظم كنوزه وبين الاثنين لا يخيب مسعاه في اكتشاف بعض العادات والتقاليد المتوارثة لتشده إلى المكان.

    القصرين (تونس) – تعتبر مدينة تالة التابعة لولاية القصرين وسط غرب تونس، إحدى المناطق السياحية غير المكتشفة، ومع ذلك فإن من تطأ قدماه هذه المدينة لن يكتفي بزيارة واحدة.

    تحمل هذه المدينة زائريها من الراغبين في زيارة مقاصد سياحية جديدة ومختلفة على معاودة التجربة، فـ“تالة الجميلة” كما يطلق عليها سكانها الأصليون، تزخر بالجبال والسهول والأودية وعدد كبير من العيون النابعة من جوف الأرض.

    اكتشاف هذه الوجهة السياحية التونسية يتطلب جهدا مضاعفا لزائر هاوٍ يختار الذهاب في الحافلة، ذلك أن الطريق إليها محدبة ومتعرّجة لمدة سفر لا تقل عن ثلاث ساعات ونصف الساعة انطلاقا من العاصمة، فيما الرحلة إليها من عدة مداخل تفتح شهية القادمين من كل المدن التونسية وتزيدهم إصرارا على سبر أغوار هذا المكان خصوصا لمن يودّون الذهاب على متن سياراتهم الخاصة.

    تقع مدينة تالة في شمال غرب ولاية القصرين وقد حافظت على اسمها الروماني “ثالة” (thala) وعلى طابعها التقليدي حتى أن زائرها يشتمّ لأول وهلة رائحة التاريخ بين جدرانها. وتالة من أقدم المدن التونسية وأشهرها وقد تعاقبت عليها العديد من الحضارات وكانت قلعة حصينة للقائد النوميدي الشهير يوغرطة بحسب ما تشير إليه بعض المصادر التاريخية.

    ويعني مصطلح “ثالة” في أدبيات التاريخ الروماني “العين”، أي عين الماء لدى الرومان وقد حافظت على العديد من العيون إلى اليوم على غرار عين “أم الثعالب”، مما جعلها مدينة العيون بامتياز، إضافة إلى العديد من القرى الصغيرة القريبة منها والتي يأخذ أغلبها تسميته من العيون التي تزخر بها على غرار “عين السلسلة” و”العيون” و”عين الحمادنة” و”عين أم الجدور” وغيرها.

    وأطلق الرومان هذه التسمية على تالة بعد هزمهم يوغرطة وجعلوا منها قلعة حصينة لمراقبة القبائل البربرية، إلا أن دورها تقلّص أمام التوسع الروماني ثم الإسلامي في ما بعد ممّا أدخلها في ركود حضاري.

    وأشد ما يسلب لب القادم إلى هذه المدينة البناء العمراني وأحياؤها ذات الأنهج الضيقة وسقوفها المغطاة بالقرمود لمنع تراكم الثلوج على غرار النجارية مما يذكر زائرها بـ”الحومة العربي” في عدة مدن سياحية أخرى، فيما تتميز شوارعها بالانحدار الشديد وانتشار المواقع الأثرية في قلب المدينة مما يجعلها مدينة التاريخ بأتم معنى الكلمة.

    ويبقى أهم ما تتوفر عليه تالة هو جبالها الشامخة وهضابها وسهولها المنتشرة التي جعلت منها مدينة الحبوب. كما تتميز بثروتها الرخامية الكبيرة، ذلك أنها تعتبر المزوّد الرئيسي بهذه المادة للعديد من المدن التونسية، إضافة إلى تصديرها لعدة أسواق عربية وعالمية.

    ولا يمكن لزائر تالة تفويت فرصة تذوق النقانق الذي اشتهرت به المدينة، حيث يقصدها الزوار من كامل الولايات التونسية للاستمتاع بأكل “السفافد” (شبيهة بأكلة الكباب الشامية) والنقانق و”اللحم المشوي” و”الهريسة العربي”، إلى جانب الاستمتاع باكتشاف عيونها التي تتدفق منها مياه عذبة يقصدها الأهالي لملء جرارهم وسقي حيواناتهم، حيث لعبت هذه العيون المنتشرة في المدينة وأهمها عين “أم الثعالب” دورا كبيرا في التقاء الناس هناك للتعارف والخوض في جميع المواضيع والمشاغل الحياتية مما جعلها تلعب أدوارا متعددة.

    وعلى الرغم من أن تالة معروف عنها تسجيلها أقل درجات حرارة تصل أحيانا إلى ما دون الصفر وتحطم أرقاما قياسية في برودة الطقس لشدة ارتفاعها عن سطح البحر (1047 مترا)، فإن زائرها يستمتع بالبساط الأبيض الذي يغطي كامل المدينة إثر تهاطل الثلوج. ويعزز تساقط الثلوج حظوظ المدينة باستقبال أعداد كبيرة من الزوار على غرار ولايتي الكاف وسليانة للتمتع بسحر المكان.

    ولا يفوت زائر تالة أن يعرّج بالقريب منها على مدينة حيدرة أو كما كانت تسمّى في العهد الروماني “أميدرة القديمة”، فيأخذه منظر الآثار الممتدة على حوالي 250 هكتارا في موقع أثري يعتبر من أكبر المواقع التاريخية في تونس إلى مدينة تأسست في القرن الأول الميلادي وشهدت ازدهارا اقتصاديا واجتماعيا شاملا لم تعد تعيشه، حيث ما زال سكانها يطالبون السلطات بالالتفات إلى هذه المدينة في جميع المجالات وخصوصا بحسن استغلال معالمها التاريخية والتي تحتوي على مسرح أسّسه الرومان وعجز الذين قدموا من بعدهم بمئات السنين حتى عن مجرد صيانته وترميمه.

    ويتوقف الزائر في جولة عابرة إلى حيدرة، عند مرشدين يحدثونه عن الموقع الأثري والدور التاريخي لهذه المنطقة الحدودية الرابطة بين تونس والجزائر وعن الطريق التي كانت تربط بين قرطاج وتبسّة الجزائرية والتي كانت تمر بمواقع عديدة بحيدرة.

    ويشتكي الأهالي في حيدرة من البنية التحتية المتردية وخصوصا الطريق الرابطة بين حيدرة وتالة والتي تحوّل جزء منها إلى ما يشبه المسلك الفلاحي في منطقة تشهد حركية خصوصا وأن بوابة حيدرة تعتبر إحدى أهم البوابات التي يستعملها السياح الجزائريون للدخول إلى التراب التونسي.

    وتتميز حيدرة إضافة إلى موقعها الأثري بمعالم دينية مثل الكنائس المسيحية والوندالية التي يروي تاريخ تأسيسها قصص القدامى، ككنيسة “كنديدوس″ التي تم إهداؤها لضحايا الاضطهاد الذي عاشته حيدرة تحت حكم الإمبراطور ديوكلتيانوس في القرن الرابع الميلادي، وغرفة صلاة تعود إلى العصر الوسيط في بدايات الفتوحات الإسلامية لأفريقية لا تزال شاهدة على التسامح بين الأديان في تونس منذ القدم.

    ويحتوي الموقع الأثري لحيدرة أيضا على فسيفساء تجسّد مختلف مدن وجزر البحر المتوسط وحمّامات وهناك حصن بيزنطي وسوق عمومية ومعالم تاريخية أخرى جديرة بالاكتشاف من قبل الزوار، وهو ما يطالب به سكان المنطقة الذين يسعون للتعريف بآثارها لتكون المدينة قبلة السياح المحليين والأجانب عبر إدراجها ضمن المواقع السياحية العالمية والدفع نحو اعتبار المدينة منطقة سياحية بامتياز غنية بالتاريخ والحضارات.

     

    الحبيب مباركي

    كاتب تونسي

    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.