طباعة هذه الصفحة

فحوص العذرية للطالبات المصريات مرآة ثقافة شعبية لم تذهب مع الريح

By قسم التحرير + وكالات تشرين1/أكتوير 10, 2016 881

عجينة (النائب إلهامي عجينة) لم يهن فتيات مصر، أو يطعن فيهن، أو يقلل من آدميتهن، أو حتى يقلص من شأنهن. كل ما فعله هو أنه تحدث بلسانه عما تعتنقه ملايين وتؤمن به أجيال وتتمسك به ثقافات مجتمعية خرجت من رحم قرن كان يتجه نحو الليبرالية والمساواة والتعامل مع الأنثى باعتبارها بشراً، فإذ بها تسقط في هوة ثقافات مجتمعية وأفكار شعبية ومناهج فكر رجعية لتصبح ثقافة شعبية شائعة.

القلة التي لا تنتمي إلى هذا الفكر هي فقط من ثار وصاح وهاج وماج وتقدم بشكاوى حين خرج النائب البرلماني المثير للجدل إلهامي عجينة مقترحاً شن حملات دورية في الجامعات المصرية وعرضها لتوقيع الكشف الطبي على الطالبات لإثبات أنهن «آنسات». وتشمل الحملة المقترحة كذلك ضرورة أن تتقدم كل «بنت» بمستند رسمي ضمن أوراق الالتحاق بالجامعة يفيد بأنها «آنسة»، وذلك «للقضاء على ظاهرة الزواج العرفي في مصر».

وشملت خطة إثبات عذرية طالبات الجامعات إصدار وزير التعليم العالي قراراً بهذا المعنى، شرط أن يكون الكشف سنوياً وذلك لكشف أية طالبة قد تكون فقدت عذريتها في تلك الأثناء. وفي حال تم اكتشاف ذلك، يتم إبلاغ الأهل فوراً. وذيّل عجينة مقترحه «العذري» بالتأكيد أن كل من يعارض ذلك يعني إنه يخشى أن تكون ابنته متزوجة عرفياً من دون أن يدري. وطالب النائب - الذي كان معروفاً بنائب «الختان» حتى أطلق مقتحره هذا - البرلمان والإعلام ورؤساء الجامعات بتبني الحملة.

مقترح حملة «عجينة» للتأكد من عذرية طالبات الجامعات لم يشمل بنوداً خاصة بالفتيات اللوتي يقمن علاقات جنسية من دون فض بكارتهن، أو أقمن علاقات جنسية كاملة ثم خضعن لعمليات ترميم غشاء البكارة. كما لم تشتمل الخطة موافقة الطالبات أو معارضتهن الخضوع للكشف حال تطبيقه. وبالطبع لم تعبر ولو من بعيد مخيلة المقترح أفكار تتعلق بالحرية الشخصية من قريب أو بعيد، فهذا من رابع المستحيلات، المكملة لغول احترام المرأة وعنقاء التعامل مع جسدها على أنه خلق طبيعي وليس نداء مستمراً لممارسة الجنس وضرب شرف الخل الشرقي الوفي.

وخارج إطار اعتراض كيانات وهيئات ومؤسسات بعينها على مقترح عجينة، لم ينتفض الشارع المصري أو تخدش كرامته أو تُنتقص هيبة نسائه التي يفترض أن تكون جزءاً من هيبته، كما كان متوقعاً. ردود فعل الشارع جاءت متفاوتة بين عدم اكتراث وعدم التفات إلى ما ترمز إليه مطالبته وتأرجح متناقض غير مجاهر به بين اقتناع بأهمية الإجراء للحفاظ على الشرف وصون العرض ورفض له لعدم تعرض «بناتنا» لمثل هذا الكشف.

كشف فكر عجينة عن جانب مسكوت عنه تارة وكامن غائر في المجتمع المصري تارة أخرى. فشرف المجتمع مازال يقبع في «عذرية» غير المتزوجات وهوية العلاقات الجنسية. وطالما هذه قائمة وتلك بائنة فالمجتمع شريف حتى النخاع. بمعنى آخر، فإن طرفي المجتمع المصري ممن أبدوا اعتراضهم على فكرة الحملة المهينة او أبدوا عدم اكتراث لها أو اهتماماً حذراً، لم يناقشا مسألة الهوس بأعضاء المرأة التناسلية الذي يرتدي جلباباً محافظاً مغطياً مراقباً أو يجاهر بتحرشات ومضايقات واستباحات لجسدها تارة أخرى. أما ترك جسد المرأة للمرأة فأمر غير وارد أصلاً إلا بين قليلين.

«حين نلاحق ونسجن فاطمة ناعوت وإسلام البحيري وسيد القمني وأحمد ناجي ونضع إلهامي عجينة في البرلمان فهذا يعني إن في حاجة غلط»، غرد أحدهم منتقداً نبذ المجتمع لكل من يفكر خارج الصندوق أو يطرح افكاراً دينية ومجتمعية للنقاش ويفرغها من هالتها المقدسة، مع اختيار من ينتهكون الحريات ويعصفون بالخصوصيات ويختصرون المرأة في غشاء العذرية ليمثلوا الشعب في البرلمان.

والبرلمان ممثل الشعب، لا يحفل بعجينة فقط. فزميله النائب يسري المغازي أبدى تعجبه من حملة الهجوم على مقترح العذرية. وزاد من الشعر بيتاً بتصريحه إلى موقع «برلماني» الإلكتروني قائلاً: «أطالب في مقترح جديد بتوقيع الكشف الطبي على الفتيات ليس فى الجامعات فقط وإنما فى مدارس الديبلومات أيضاً» معللاً ذلك بأن الجامعات أصبحت مليئة بتجارة المخدرات والدعارة، بالإضافة إلى ملابس بعض الطالبات التي تشبه ملابس الراقصات! وأضاف أنه كي «نحافظ على الدولة وعلى ولادنا وميبقاش فيه عاهرات، لازم يكون فيه كشف طبي علشان البنت نفسها تبقى عارفة أنها ممكن تتعرض للكشف الطبي فى يوم من الأيام».

ومضى المغازي يشرح أبعاد خطته لدرء خطر «العاهرات في المدارس والجامعات» بقوله إن البنت حين تخضع للكشف الطبي لن تفكر في القيام بأعمال خاطئة خوفاً من افتضاح أمرها أمام أهلها. وذيّل الشرح الوافي لأبعاد كشف العذرية المناهض للأعمال الخاطئة بالمطالبة بقانون يفرض هذه الكشوف فرضاً.

وقد افترض البعض أن غضبة الجامعات على مطالبات عجينة والمغازي بكشوف العذرية على الطالبات هي رد قوي ومناسب ويعيد الأمور إلى نصابها. ولكن قليلاً من التمحيص والتفحيص يكشف أن الغالبية المطلقة ممن اعترضوا على مقترح كشف العذرية اتخذوا هذا الموقف الرافض لأنه ينطوي على إساءة لسمعة طالبات الجامعات. بمعنى آخر ترتكز أغلب المعارضات إلى رفض الكشف لأنه يوحي بالتشكيك في سمعة الطالبات وليس بناء على رفض لفكرة انتهاك خصوصيتهن أو إجبارهن على كشوف تكشف حياتهن الجنسية أو اعتبار حالتهن الجنسية أمراً يتعلق بهن وليس بعجينة أو المغازي أو رئيس الجامعة أو كلهم مجتمعين.

رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار قال إن «الجريمة» التي ارتكبها النائب عجينة وقعت وقوعاً فعلياً واكتملت أركانها، وتتضمن «طعناً» في الأعراض. وأضاف أن النائب يتهم الجامعات المصرية وإداراتها بنشر العهر والمخدرات، وهذا ينال من سمعتها محلياً ودولياً، من دون أي تعليق من قريب أو بعيد عن خصوصية الطالبات أو كرامتهن أو أي شيء من هذا القبيل.

ومن قبيل العلم بالشيء سألت «الحياة» عدداً من طالبات الجامعة عن رأيهن في اقتراح النائبين لتقع المفاجأة الفعلية حيث اتسقت غالبية الآراء مع التوجه العام. «لا طبعاً نحن بنات محترمات ولسنا ممن يفرطن بشرفهن» أو «أكيد هناك طريقة أخرى لاكتشاف حالات الزواج العرفي» أو «من الممكن إخضاع الطالبات اللاتي تحوم حولهن شكوك في هذا الشأن للكشف ولكن في سرية تامة وذلك حتى لا يتم فضحهن في حال كن بريئات». رد واحد جاء خارج المألوف وتلخص في كلمتين: «وهو ماله؟».

الجهة الوحــيدة التي لم تتــطرق إلى «الإساءة إلى سمعة الفتيات» أو «الطعن في شرف الرجال عبر الإساءة إلى سمعة الفتيات» هو المجلس القومي للمرأة والذي تقدمت رئيسته مايا مرسي ببلاغ إلى النيابة العامة ضد عجينة صاحب مقترح كشوف العذرية وقبله مطالبته بختان الإناث وقبلهما مناشدة الاحتشام في البرلمان.

عذرية الطالبات ليست شأنهن. لكنها شأن المجتمع الذي يأمن لــشرفه في حال وجوده ويثأر لسمعته في حال التشكيك فيها أما الطالبات أنفسهن فموضوع هامشي ذهب مع الريح.