تابعنا على فيسبوك

    

    الفيلم الوثائقي العربي بعد ثلاثة مهرجانات خليجية وواحد لبناني - صراعات الواقع واختبارات الذات

    By ن ج - جريدة السفير اللبنانية / سينما / الخميس, 29 كانون1/ديسمبر 2011 21:11

    أين أصبح الفيلم الوثائقي العربي؟ عشية انتهاء العام 2011، الذي شهد ولادة ربيع عربي هو الأول من نوعه منذ سنين بعيدة، أو شهد تطوّر الربيع هذا، مفتتحاً عصراً جديداً من العلاقة القائمة بين «المحكوم» و«الحاكم»، يُطرح السؤال انطلاقاً من «تورّط» هذا النمط من التعبير البصري عن واقع الحال اليومي، في مجريات الحياة اليومية. الحدث «الانقلابي»، أي ذاك الذي وضع أسساً جديدة من التعامل بين الشعب والسلطات الحاكمة (وإن لم تتوضح معالمها كلّياً، لغاية الآن على الأقلّ)، جعل الفيلم الوثائقي حاضراً بفعالية كبيرة في لعبة الصراع الدائر بين المنتفضين على السلطات القامعة، وأصنام السلطات الحاكمة تلك. جعل الفيلم الوثائقي امتداداً مطلوباً للنزاع، كونه الأقدر على تسجيل اللحظة، وتأريخها وأرشفتها وحمايتها من التزوير والاندثار.


    شرعية التجديد

    لهذا كلّه، يُطرح سؤال راهن الفيلم الوثائقي، شكلاً ومضموناً. ذلك أن الفيلم المذكور، بانشغاله في تسجيل اللحظة، تاه بين كلاسيكية الاشتغال البصري والتطوّر الإبداعي الذي بلغه ذات يوم. غير أن المسألة أبعد من ذلك: إن تحرير الفيلم الوثائقي العربي الجديد من الحدث الآنيّ، يؤدّي حتماً إلى المضمون العميق للسؤال المطروح. فالفيلم الوثائقي هذا بلغ مرتبة رفيعة المستوى في صناعة صورته، كما في معالجته الدرامية مواضيع حيّة مستلّة من الواقع الراهن، أو من الاختبار الذاتيّ المحض، أو من الذاكرة الفردية المفتوحة على الجماعة. وهو بات هكذا، من دون انتظار «الربيع العربي»، لأنه أدرك أن اللغة السينمائية قادرة على منحه شرعية تجديدية في مقاربة المشاغل والحكايات.

    الأمثلة عديدة. في الدورات الأخيرة للمهرجانات السينمائية الثلاثة المُقامة في أبو ظبي (الخامس) والدوحة (الثالث) ودبي (الثامن)، وهذا كلّه بحسب تواريخ تنظيمها بين تشرين الأول وكانون الأول من العام 2011، عُرضت أفلام وثائقية عربية حديثة الإنتاج، يُمكن الاستعانة بها في محاولة الإجابة على السؤال المطروح آنفاً. يُمكن الاستعانة ببعضها، لأن كثرتها محتاجة إلى حيّز نقدي أوسع أولاً، ولأن أفلاماً عدّة بينها منزوية إما في خانة التسطيح أو التسرّع في التنفيذ، وإما في خانة الريبورتاج التلفزيوني، ثانياً. يُمكن الاستعانة ببعضها، لأن بعضها هذا يمثّل خير تمثيل المرتبة الإبداعية التي بلغتها صناعة الفيلم الوثائقي العربي. ثلاثة مهرجانات سينمائية خليجية، بالإضافة إلى «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية»، التي أُقيمت دورته العاشرة بعد انتهاء ثالث المهرجانات الخليجية، أتاحت فرصة قيّمة لتبيان ملامح الفيلم الوثائقي العربي الجديد، خصوصاً أن المهرجانات الخليجية ساهمت في إنتاج بعضها، وموّلت بعضها الآخر، أو اكتفت بعرضها كلّها. غير أن الكثرة هذه لا تعني إبداعاً، وغزارة الإنتاج لا تفضي حتماً إلى صناعة وثائقية متحرّرة من تقليديتها، ومنسجمة والتطوّر الحاصل في الصناعة هذه، شكلاً ومعالجة وتقنيات.

    بعيداً عن التنظير شبه المُكرَّر للمسألة، استجابت أفلامٌ عدّة للشرط الوثائقي الإبداعي، سواء ارتكزت مضامنيها على الراهن وعلاقته بالماضي، من خلال الذاكرتين الفردية والجماعية، أم تناولت حكايات الأهل (أم، أب، جدّ، عمّ... إلخ) في مسعى ذاتيّ للتطهّر من خطايا الماضي، أو للمصالحة مع الذات، أو لفهم المسار المفضي إلى الآنيّ. أما الأفلام المرتبطة بـ«الربيع العربي» في تونس ومصر، فلها حيّز آخر مستقلّ، لحاجتها إلى قراءة هادئة، على ضوء التطوّر التقني الهائل الذي أتاح لمحترفين ولغير المحترفين فرصة إنجاز أفلام، أو ما يُشبه الأفلام. لحاجتها إلى قراءة تجمع السياسيّ بالإنساني، والبصري بالدرامي.

    الإبداع الوثائقي عاملٌ جاذبٌ في أفلام عدّة: «أبي ما زال شيوعياً، أسرار حميمة للجميع» للّبناني أحمد غصين، و«في الطريق لـ... وسط البلد» للمصري شريف البنداري، و«القطاع صفر» للّبناني نديم مشلاوي و«يامو» للّبناني رامي نيحاوي و«أسبرين ورصاصة» للسوري عمّار البيك. هذه أمثلة مستندة إلى قراءة شخصية، لا تخلو من حسّ موضوعي وتواصل انفعالي في آن واحد. هذه اختبارات مفتوحة على احتمال تفعيل البنية الجوهرية لصناعة النمط الوثائقي الإبداعي. أي لصناعة أفلام تروي الحكاية عبر حوار وشخصيات وأنساق درامية، من دون الابتعاد عن جماليات الصورة في مقاربة الحكاية، أو في تفعيل امتدادها الدرامي والفني. «أسبرين ورصاصة» للبيك «أثقل» الأفلام ثقافة سينمائية. هذه الأخيرة حاضرة بشكل مباشر: المُشاهدة الناتجة من ثقافة واسعة. الإمعان في توظيف الثقافة النظرية في سرد الحكاية. رفع مستوى التنظير على حساب السرد القصصي. هذه ملاحظات قد تكون لصالح الفيلم، أو ضده أيضاً. فالثقافة السينمائية محتاجة إلى ترجمة بصرية متمثّلة بالصُور والحكايات، لا بالذهاب بعيداً في «تلقين» المُشاهد قولاً مفاده أن للمخرج ثقافة سينمائية واسعة. مع هذا، لا يُمكن نكران جمالية الاختبار البصري، على الرغم من أن إقحام شخصيتين نسائيتين في المسار الحكائي بدا مفتعلاً ومتصنّعاً وغير ذي نفع.


    أسئلة معلّقة

    «القطاع صفر» لمشلاوي مختلف: الصورة رديفة النصّ. أي أنها استكمالٌ لحبكته. الأرشيفان المصوَّر والحكائي جزآن أساسيان من البناء الدرامي وجماليته البصرية. اختيار منطقة الكرنتينا انفتح على سيرة بلد ومجتمع وناس. البطء في التقاط مناظر متفرّقة أشبه بتحريض المخيّلة على بلوغ الانفعال نفسه للبؤس والخيبة والتمزّق، المتمثّلة باللقطات هذه مثلاً. ثلاث شخصيات عامّة ظهرت أمام الكاميرا في تحاليل ثقافية معمّقة: الطبيب النفسي شوقي عازوري، والكاتب والمحلّل السياسي حازم صاغية، والمهندس المعماري برنار خوري. التحاليل المُقدَّمة منهم اشتملت على جوانب متفرّقة من الحياة اللبنانية، بناء على الموقع الجغرافي للكرنتينا، بما هو عليه من بيئة اجتماعية واقتصادية وإنسانية، وبما هو عليه من تجمّع متعدّد الهويات والجنسيات والثقافات، وبما هو عليه من بؤرة حرب وعنف مكتملين بسلم منقوص. هناك أشخاص آخرون، معنيون مباشرة بالحيّز هذا، رووا تفاصيل من سيرته التاريخية وتبدّلاته الحياتية والاجتماعية. لكنهم لم يظهروا أمام الكاميرا. كأن غيابهم السينمائي ترجمة لتغييبهم عن الحياة والبيئة معاً ربما. أو تأكيد على تهميشهم عبر الفصول المتلاحقة من التاريخ الحديث للبنان ربما. بينما بدا ظهور الشخصيات الثلاثة تلك أمام الكاميرا بـ«وضعيات» وإضاءات مختلفة أقرب إلى الاعتراف بأن المعاينة التحليلية الصرفة «خارجية وداخلية في آن واحد». أي أن هؤلاء الثلاثة بقدر ما أطلّوا على البلد وناسه وأحوالهما من خارج البيئة الجغرافية المحدَّدة في الفيلم، شكّلوا مرآة شفّافة وحادّة منبثقة من داخل النسيج الإنساني للبقعة والبلد معاً، وكاشفة الاهتراء الفظيع للذات اللبنانية.

    هناك كلامٌ كثيرٌ يُقال حول «القطاع صفر» (الجائزة الأولى في مسابقة «المهر العربي للأفلام الوثائقية» من مهرجان دبي الثامن). جماليته السينمائية متوازنة والنسق الحكائي المعتَمَد: التحليل والحكاية متداخلان مع بعضهما البعض، بشكل سرديّ منح النصّ حيويته الإنسانية وسؤاله الأخلاقي من دون تسلسل تأريخي مملّ، أو محاكمة مسبقة. التوليف أدّى دوراً جمالياً مهمّاً، لأنه حافظ على ثنائيات متكاملة: التاريخ واللحظة، الحكاية والتحليل، الكلام والصورة. البقعة الجغرافية مفتوحة على كَمّ هائل من أسئلة الحرب والسلم الهشّ، كما على أسئلة الجغرافيا والمجتمع والتاريخ. الكاميرا غير مستعجلة، لأنها راغبة في التقاط أشياء عاكسة محطات مرتبطة بالحكاية، لأنها راغبة في فهم اللحظة المُصوّرة، وخلفياتها الزمنية وأبعادها المكانية أيضاً.

    السياسة حاضرة في خفايا التحليل والسرد. تماماً كما في فيلمي نيحاوي وغصين. العلاقة بالأهل باتت نواة جوهرية لأفلام وثائقية لبنانية عديدة، تمثّلت هنا بهذين الفيلمين أيضاً. العلاقة بالأم تحديداً، للذهاب بفضلها ومعها وعبرها إلى التخوم المؤلمة للذاكرة الفردية أو للشقاء الجماعي. العلاقة بالأهل، من خلال الأب مثلاً، سمة الفيلم الجديد للّبناني سيمون الهبر «الحوض الخامس» أيضاً. حكايات الأهل جزء من حكايات بلد وتاريخ وعلاقات. رامي نيحاوي شرّح الأم سينمائياً، كأنه يُشرّح ذاته أمام ذاته. أو كأنه ساع لتمزيق أقنعة سطت على تاريخه الشخصي، وبات الآن مُصرّاً على فهم آلياتها، أي على فهم آليات المسار التاريخي لمجتمع خبيث ومخادع. الأم طريقٌ إلى تحرير الذات من وطأة السلطة الأبوية (الوالدان معاً) أيضاً. مع غصين، شكّلت الرحلة إلى أيام الحرب الأهلية اللبنانية مفتاحاً لتحليل العلاقة الملتبسة بين المخرج ووالده المهاجر إلى المملكة العربية السعودية للعمل. بين المخرج ووالدته المقيمة معه وإخوته في ظلّ بشاعة الموت وقسوة العنف. وضع نيحاوي والدته أمام عدسة الكاميرا. وضع غصين والدته أمام آلة التسجيل. الصورة والصوت. أجمل ثنائي سينمائي. ذهب نيحاوي بعيداً في اختبار التجربة الحياتية لوالدته. واجهها بأسئلته. ذهب غصين بعيداً في إعادة رسم الملامح المعلّقة للعلاقة الملتبسة بين والديه. لم يواجه أحداً بشكل مباشر. ترك أشرطة الكاسيت تروي الحكاية، متسلّياً بإعادة ربط المسائل بعضها ببعض، ومستعيناً بمخيّلة فوتوغرافية لوضع الصورة الصامتة المزوَّرة مكان الصورة المنقوصة.

    هذه عيّنات مختصرة لتحليل نقدي قابل لمزيد من النقاش. هذه عيّنات عاكسة جمالية الصورة في قول الأشياء. المصري شريف البنداري لم يبتعد كثيراً عن المناخ العام للعلاقات الملتبسة والمعلّقة بين الآنيّ والذاكرة. «في الطريق لـ... وسط البلد» محاولة سينمائية لفهم التحوّل المعماري والإنساني للقاهرة، ولفضائها الثقافي والاجتماعي، على ضوء الحراك الشعبي في ميدان التحرير. العمارة والغناء والحياة اليومية ومواجهة الشرطة والعجز عن بلوغ المكان المطلوب بسبب الزحمة، إسقاطات سينمائية على واقع منقلب على ذاته، من دون بلوغ لحظة انبثاق الفجر الجديد، وثبات ولادته.

    هذه عيّنات خاصّة بأفلام وثائقية قليلة هي جزء من حالة تأسيس فعلي لصناعة جديدة. لعملية تجديد فعلي لشكل الفيلم الوثائقي ومفردات اشتغالاته الفنية والدرامية والثقافية، بالأحرى.

    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.