تابعنا على فيسبوك

    
    فيلم "الأيرلندي" رحلة داخل عقل قاتل بارد فيلم "الأيرلندي" رحلة داخل عقل قاتل بارد

    فيلم "الأيرلندي" رحلة داخل عقل قاتل بارد

    By متابعات / سينما / الأربعاء, 16 تشرين1/أكتوير 2019 11:25
    صورة درامية لشهوة السلطة والمال والنزوع إلى السيطرة.
     
    يمكن القول إن فيلم “الأيرلندي” الذي عُرض في ختام مهرجان لندن السينمائي، هو أفضل أفلام مخرجه الشهير مارتن سكورسيزي وأكثرها إحكاما وتأثيرا وقوة، منذ فيلمه المرموق “رفاق طيبون” (1989). إنه ليس فقط عودة إلى أجوائه المفضلة داخل المافيا الإيطالية، بل وإلى العمل مع عدد من رفاق جيله من عظماء التمثيل في عصرنا.
     
    يذكّرنا فيلم “الأيرلندي” The Irishman لمارتن سكورسيزي في بعض مشاهده، بما سبق أن شاهدناه في أفلام سابقة للمخرج ذاته مثل “رفاق طيبون” و”كازينو”، أو “الأب الروحي” لكوبولا، إلاّ أنه أقل اهتماما بالحبكة وبالإثارة، وأكثر تركيزا على شخصية بطله الفرد وكيف أصبح قاتلا محترفا يقتل دون تردد، بحيث يمكن اعتبار الفيلم دراسة في سيكولوجية قاتل محترف.
     
    هذا فيلم يميل أكثر للتأمل، للتعمّق في عقل بطله وهو يتأمّل مسار حياته بعد أن أوشكت على نهايتها، إنه يحاول الاقتراب الحذر من التكوين النفسي للشخصية الرئيسية، أن يفهمها، دون الاحتفاء، على الصعيد البصري، بما تقوم به.
     
    فهو ليس بطلا بل نقيض للبطل. ورغم نجاحه في مهامه القاتلة فهو مهزوم في داخله. بعد أن يبلغ من العمر أرذله، كما يقال، يظل عاجزا عن الاعتراف بالخطأ أو إبداء الندم. يعتبر رحلة حياته الحافلة بالقتل وسفك الدماء قدرا وجوديا كان مكتوبا عليه أن يعيشها!
     
     

    سرد متعرج
     
    لم يكن من السهل أن تقبل شركات هوليوود التقليدية بإنتاج “الأيرلندي” الذي ظل يداعب خيال سكورسيزي لسنوات، لذلك كان الخيار الوحيد إنتاجه عن طريق شبكة نتفليكس التي تعرض لمشتركيها عن طريق البث الرقمي، ليس فقط بسبب الميزانية الضخمة التي كانت مطلوبة للإنتاج (أكثر من 160 مليون دولار) بل والطموح الكبير لصنع فيلم ملحمي في ثلاث ساعات ونصف الساعة، أبطاله الرئيسيون من الرجال العجائز الذين يبدون أقل تهورا وأقرب إلى “الأجداد الطيبين” الذين يمكنك أن تجلس بين أيديهم لتستمع إلى ما يوجّهونه لك من نصائح بشأن الطعام الجيّد وطريقة الطهي بالخلطة الإيطالية، وكيف تضع القبعة على رأسك بحيث تكتسب نوعا من الأهمية، وكيف يجب أن تهتم أكثر بأسرتك وأبنائك.
     
    يغيب عن الفيلم أيضا الدور النسائي الكبير الذي يضاهي أدوار أبطاله الرجال (على العكس من “كازينو” مثلا)، فالمرأة في حياة بطل الفيلم فرانك شيران (روبرت دي نيرو) كانت دائما على الهامش. وهي كذلك دائما في حياة رجال المافيا الذين لا يخلطون بين العمل والحياة الخاصة.
     
    كتب سيناريو الفيلم ستيفن زاليان (“قائمة شندلر” لسبيلبرغ و”عصابات نيويورك” لسكورسيزي)، مستندا على ما ورد في كتاب “سمعت أنك تطلي المنازل” I Heard You Paint Houses للكاتب الأميركي المحقق السابق تشارلز براندت، الصادر عام 2004. وعنوان الكتاب والفيلم يشيران إلى طبيعة عمل القاتل المحترف الذي “يصبغ الجدران بالدماء”!
     
    السيناريو يعتمد سردا متعرجا، ينتقل عبر 30 سنة، من الحاضر إلى الماضي، ليعود إلى الحاضر ويعبر فترات زمنية مختلفة في الماضي
     
    يعتمد السيناريو سردا متعرجا، ينتقل عبر 30 سنة، من الحاضر إلى الماضي، ليعود إلى الحاضر ويعبر فترات زمنية مختلفة في الماضي، من حياة بطله الأيرلندي فرانك شيران في المافيا، وعلاقة المافيا برئيس اتحاد العمال في الولايات المتحدة جيمي هوفا، وكيف لعب فرانك دورا رئيسيا في تلك العلاقة، وخلال ذلك يعبّر الفيلم على موضوع الغزو الفاشل لكوبا الذي أمر به الرئيس كنيدي، وكيف شارك فرانك دون أن يعرف في نقل الأسلحة لفريق اللاجئين الكوبيين الذين شاركوا في عملية “خليج الخنازير” الفاشلة، ثم العلاقة المتوترة بين هوفا والبيت الأبيض، والإشارة إلى أن المافيا دعمت انتخاب كنيدي، لكنه تنكر لها وبدأ شقيقه روبرت كنيدي التحقيق مع عدد من رجالها بل ومع جيمي هوفا نفسه الذي اتهم بالتلاعب في أموال الاتحاد، وكان يقرض المال من صندوق تقاعد الأعضاء للمافيا، مقابل الحصول على مكاسب شخصية والاستعانة بهم لتصفية خصومه.
     
    ويصوّر الفيلم اغتيال كنيدي من وجهة نظر بطله كما لو كان نتيجة مؤامرة اشتركت فيها المافيا. ويدعم سكورسيزي الفيلم بالكثير من الشرائط التسجيلية المصوّرة لتلك الأحداث وأهمها اغتيال كنيدي، مع رصد تأثيره على جيمي هوفا بوجه خاص الذي يصر على إعادة رفع العلم الأميركي فوق مبنى الاتحاد بعد أن كان مساعده قد أنزله في إبداء للحداد.
     
     

    السير وسط الألغام
     
    يبدأ الفيلم في الزمن المضارع، أي بعد 60 عاما من بداية الأحداث، وفرانك يروي لشخص لا نراه سوى قرب نهاية مسار حياته، من أول خدمته في الجيش الأميركي في إيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية، وكيف استطاع التحدث باللغة الإيطالية، وكيف أنه أصبح منذ تلك الفترة رجلا اعتاد طاعة أوامر رؤسائه، فهو يقتل الأسرى من جنود العدو دون تردّد، ثم يعود بعد الحرب إلى فيلادلفيا ليعمل كسائق شاحنة نقل لحوم لبعض المطاعم، قبل أن يتعرّف على راسل بافالينو (جون بيشي) أحد كبار زعماء المافيا ويصبح ذراعه اليمنى، ورجل المهام الخاصة، يجمع الإتاوات ويقتل المتقاعسين والمشاغبين.
     
    عن طريق بافالينو يتعرف فرانك على جيمي هوفا (آل باتشينو) رئيس اتحاد عمال النقل القوي، وينتقل ليصبح مساعده وحارسه الشخصي ويرتبط معه بصداقة عميقة، يشاركه غرف الفنادق، يلتحق بالاتحاد ويصعد ليصبح أحد كبار المسؤولين النافذين فيه، لكن بعد أن يصل العناد والمكابرة بهوفا إلى تهديد مصالح المافيا يصدر القرار (من أعلى) بالتخلّص منه، ويتعيّن على فرانك نفسه قتله.
     
    فرانك يروي ويعلّق بصوته من خارج الصورة بعد أن أصبح شيخا طاعنا في السن يقيم داخل أحد منازل المسنين. ويتّضح أنه يروي لقسّ كاثوليكي ما يعتبر اعترافا كاملا بما جنته يداه. لكنه رغم ذلك، لا يرى ما يمكن أن يدعوه للاعتذار أو إبداء التوبة وطلب الغفران.
     
    يعذبه فقط انفصال ابنته الصغرى القريبة من قلبه (بيغي) عنه منذ سنوات طويلة، منذ أن أدركت مبكرا ضلوعه في عالم الجريمة، وخاصة بعد اختفاء صديقه الحميم الذي كانت تحبه جيمي هوفا وتركز الشبهات حول دور فرانك في تصفيته (اختفى هوفا في يوليو 1975 ولم يعثر قطّ على جثته، وظلت القضية مفتوحة حتى يومنا هذا). خدع فرانك صديقه هوفا وأقنعه بالاجتماع مع ممثلي المافيا لتسوية الخلافات بينهما، ثم أخذه إلى نزل مهجور وقتله وحرقت جثته في ما بعد.
     
    يسأله القس عن سبب انغماسه في العنف وسفك الدماء، فيقول ببساطة إنه كان يريد أن يحمي أسرته. وعندما يسأله، حمايتها من ماذا؟ لا يملك إجابة، لكنه الشعور بعدم الأمان في مجتمع كل شيء فيه محفوف بالخطر.
     
     

    صورة أميركا
     
    إننا أمام صورة لأميركا؛ العنف والفساد والجريمة والرغبة الشرسة في السيطرة والعلاقة بين السياسة والجريمة المنظمة. أما فرانك فهو “عبدالمأمور”، رجل مطيع، يطأطئ رأسه، يستمع أكثر ممّا يتكلم، يميل للصمت والعمل في الخفاء. إنه “الأيرلندي” الذي يعمل في صفوف الإيطاليين من المرتبطين بالمافيا الصقلية.. غريب يبحث عن النجاة وهو يسير وسط الألغام. رجل المهام الصعبة الدموية لكنه أصبح يتمتع بحماية راسل بافالينو، إلاّ أن هوفا يحذره أيضا من احتمال أن يصبح هدفا لمن يتخيل أنه يحميه. ولكن حتى بعد موت كل من عرفهم وانقضاء أمرهم وبعد أن يتقاعد في منزله وحيدا، يزوره اثنان من الصحافيين يلحّان عليه أن يصرّح بما يعرفه عنهم، لكنه يمتنع.
     
    أميركا هنا ليست أميركا الحلم الأميركي الوردي، بل الحلم الملوث بالدماء، الطموح السياسي الذي يستبد بشخص مثل هوفا فيدفعه إلى مصيره، والعلاقات المريبة بين البيت الأبيض والمافيا، والجشع الذي يدفع إلى المزيد من الجشع، وحياة اللهو والليل والانتقال من زوجة إلى أخرى، وتلك الحوارات العبثية الطريفة التي تميز أفلام سكورسيزي وتجعل الشخصيات التي نشاهدها تبدو بسيطة في عاديتها وتلقائيتها، كتلك التي تدور بين راسل بافالينو وزوجته التي تصر على التدخين داخل السيارة، بينما راسل يحدثها كثيرا عن أضرار التدخين؛ هل هي أكثر خطرا من سفك الدماء!
     
    هذا أيضا فيلم عن الفرد في مواجهة آلة ضخمة أكبر منه كثيرا. يريد أن يشعر بالانتماء لهذا الكيان الأكبر (المافيا- السلطة- المؤسسة)، وأن يوفر حياة جيدة لأسرته، لكنه يشعر بالوحدة، فهو الغريب الذي ساقته الأقدار إلى عالم لم يكن منتميا إليه. وهو في هذا يذكّرنا بالاختيار الإنساني- الوجودي القدري لبطل “رفاق طيبون”. هذا الشعور بالوحدة يمتد معه إلى نهاية عمره عندما يذهب ويشتري النعش الذي سيرقد فيه رقدته الأخيرة.
     
     

    براعة الإخراج
     
    كعادة سكورسيزي، هناك اهتمام كبير بالحوار الطريف الخارج عن المألوف، وبمشاهد إعداد الطعام أو تناول الطعام في شهية حتى بعد القيام بعملية قتل، والمشاجرات ذات الطابع الطفولي نتيجة التشبّث بفكرة أو بسبب اختلاف الطباع وتناقض الشخصيتين (بين هوفا وخصمه اللدود توني الذي يتشاجر معه في السجن، ثم بعد ذلك عندما يتأخر عن موعده معه).
     
    يركز سكورسيزي على النظرات وتعبيرات الوجه في لقطات قريبة جدا، لكنه يصوّر مشاهد القتل من بعيد في لقطات عامة، فهدفه ليس الصدمة، ويقطع الاندماج بواسطة التعليق البارد من خارج الشاشة، كما يكتب عناوين مضحكة على الشاشة تصف مصائر الكثير من الشخصيات وكيف ستلاقي مصيرها وتواريخ نهاياتها. يعتمد سكورسيزي أيضا على الكاميرا الثابتة واللقطات الطويلة والمشاهد التي تكشف لنا طبقة بعد أخرى من هذا العالم الغريب، كما تكشف التناقضات بين الطيبة الظاهرية والقسوة المفرطة، فالهدف هو المحافظة على “البيزنس” وليس مجرد الانتقام الشخصي.
     
    أجواء الفترات المختلفة تتبدى بشكل شديد الدقة والإتقان، من الخمسينات إلى الستينات والسبعينات، من طرز السيارات، تصفيفات الشعر، الملابس، واجهات المحال التجارية والحركة في الشوارع. وينجح مدير التصوير المكسيكي رودريغو بريتو للمرة الثالثة مع سكورسيزي بعد “ذئب في وول ستريت” و”الصمت” في إضفاء ملامح الفترات القديمة من خلال توزيع الضوء في المشاهد الداخلية، وغلبة الألوان الداكنة (البني بدرجاته والأصفر).
     
    وقد استخدم الحيلة الرقمية الحديثة لجعل الممثلين الثلاثة أصحاب الأدوار الرئيسية الثلاثة، الذين قاموا بأدوارهم في فترات سابقة من العمر (روبرت دي نيرو، آل باتشينو، جون بيشي)، يبدون أصغر سنا بالتخفيف من تجاعيد الوجه.
     
    الفيلم يقدم صورة لأميركا؛ العنف والفساد والجريمة والرغبة الشرسة في السيطرة والعلاقة بين السياسة والجريمة المنظمة
     
    ولا شك أن الأداء التمثيلي يعتبر عاملا أساسيا من عوامل جمال الفيلم. هنا يعود روبرت دي نيرو للعمل مع صديقه القديم سكورسيزي بعد غياب 15 عاما. إنه يحمل عبء الفيلم بأكمله فهو يظهر في غالبية المشاهد، ويتقمص شخصية فرانك شيران بنفس طريقته المعروفة في التقمّص الداخلي الذي يعتمد على معايشة الشخصية والنفاذ إلى سيكولوجيتها الخاصة، في أداء يجمع بين التحكم في حركات الجسد واليدين وتعبيرات الوجه ونبرة الصوت؛ بين التردّد والتلعثم والنغمة الاعتذارية والضعف الظاهري الذي يخفي قسوة مفرطة، وابتسامة الطفل والوجه الذي يمكن أن يُدهش لمرأى امرأة تعبر الطريق، يعرف متى يصمت ومتى يتكلم ومتى يغضب ويثور.
     
    ينافس دي نيرو بقوة بل ويكاد ينتزع منه الأضواء آل باتشينو في دور جيمي هوفا. يبدو حينا واثقا بنفسه حد الغرور الذي يصل إلى الحماقة، وحينا آخر، يبدو طفلا كبيرا ينتشي وهو يرى أنصاره يهتفون باسمه في مؤتمرات اتحاد العمال، لكن حياته تهتزّ تماما بعد أن يرغم على التخلي عن رئاسة الاتحاد مقابل عفو رئاسي من الرئيس نيكسون.
     
     ومن ضمن ملامح الأداء عند آل باتشينو أيضا المغالاة والكاريكاتورية والنزعة الاستعراضية. فهذا رجل “الشو”، الذي تؤدي به حماقته إلى مصيره التراجيدي.
     
    جون بيشي يعود من اعتزاله، ليدهشنا بسحر أدائه البسيط الواثق الهادئ تماما، فيبدو وكأنه يمنح رفيقه فرانك الحكمة التي يحتاجها، يوجهه ولكن لخدمة مصالحه دائما، وينصحه وكأنه يحذّره، ويكفي أن يشير إليه من طرف عينه لكي يفهم الآخر المطلوب منه.
     
    “الأيرلندي” احتفال كبير بالسينما وبفن التمثيل، يجعلنا نشعر بأننا نشاهد أوبرا عصرية في عالم الجريمة. ويظل المايسترو دائما هو مارتن سكورسيزي.
     
     
    أمير العمري
    كاتب وناقد سينمائي مصري
     
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.