تابعنا على فيسبوك

    
    بعد 3 سنوات من صدوره: أي تجلّيات ثورة الشّعب التّونسي في كتاب "سفر البوعزيزي" للشاعر نصر سامي بعد 3 سنوات من صدوره: أي تجلّيات ثورة الشّعب التّونسي في كتاب "سفر البوعزيزي" للشاعر نصر سامي

    بعد 3 سنوات من صدوره: أي تجلّيات ثورة الشّعب التّونسي في كتاب "سفر البوعزيزي" للشاعر نصر سامي

    By منصف كريمي / أدب / الإثنين, 19 تموز/يوليو 2021 09:58
    بعد طبعة أولى صادرة عن دار بورصة الكتب بمصر سنة 2017 وطبعة ثانية صادرة عن الهيئة العامة المصرية للكتاب سنة 2018 صدرت في نفس السنة عن دار ميّارة بتونس طبعة ثالثة من المجموعة الشعرية "سفر البوعزيزي" للشاعر والناقد والفنان التشكيلي التونسي المقيم في الشارقة بالخليج العربي نصر سامي والذي في جرابه الى حد الان من المنشورات  5 روايات و9 مجموعات شعرية و2 دراسات نقدية ونص مسرحي الى جانب تتويجه بعدة جوائز ابداعية منها حصوله على جائزتي الشارقة وكتارا في الرواية.
     
    وفي دراستنا لهذا الاصدار الشعري يتبيّن لنا ان الهاجس العروضي او ما يطلق عليه صاحب الكتاب" الأفق العروضي "يسيطر على هذا الكتاب حيث تصبح فيه التفعيلات صدى غائرا وبعيدا داخل عمليات شديدة التّعقيد بعضها يخصّ الجملة وبعضها يرمي بعروقه في البلاغة وفي التّصوير وبعضها يتردّد باندفاع في تلك القيعان الأسطورية التّي يحاول النصّ سبر أغوارها لتحاول النصوص من خلال هذا التمشي العروضي سالف الذكر  أن ترسم لنفسها مجالا تحاوريّا مع القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة بأنواعها وقصيدة النّثر العربيّة ومثيلاتها المترجمة وهي تقع في التّقاطع وتنبش في التّعالق وتحاول الاشتغال بكلّ ذلك المشترك الإيقاعي الثريّ المتحوّل، لا باعتباره جزائر منقطعة بل باعتباره معينا واحدا بضفاف مختلفة وذلك من منطلق ايمان مؤلّفه أن النصّ لكي يكون شعريّا يحتاج إلى أفق عروضي يكون مدخلا لمعالجة أشمل لخارطته الإيقاعية.
     
    و يهتمّ هذا الكتاب بحدث لمس بقوّة كلّ فرد في تونس وفي العالم العربي وفي العالم، وهو ثورة الشّعب التّونسي التّي نجحت في الإطاحة برأس النظام لتقع نصوص هذا الكتاب قبل هذا الحدث الذّي ما زال متحرّكا نابضا بالتّفاعل وأثناءه وبعده و لأنّها رافقت بعمق هذه الثّورة الشّعبية العميقة فإنّها عبّرت عنها بطرائق ناسبت الحدث في حرارته وهو يحدث ثمّ كتبته وهي ترى تحوّلاته ومآلاته بعد 5 سنوات ثمّ كتبته وهي تستنطق إخفاقاته في ظلّ الحكومات المتعاقبة التّي فشلت تماما في التّمكين لحداثة تليق بالإنسان في كلّ جوانب حياته. 
     
    ومحور هذا الكتاب كانت كلمة "لا" التّي اقترنت بالحرق وما نتج عنها من حراك في تونس وفي العالم العربي وفي الكتاب محاولة لقراءة سفر" البوعزيزي " مهما اختلفنا حوله ففي مشهدية الحلم علامة فارقة، لها رمزيّة عاليّة، إذ أنّه يحمل جميع ميزات ابن الشّعب الذّي أفرغه مجتمع التسلّط والتّفقير والظّلم من معناه، فصار إنسانا عاريّا من كلّ مقوّمات بشريته باعتباره إنسانا له حقوق  وتمّت تشيئته، واحتقاره، وتتفيه وجوده، وصولا إلى إلغائه، واعتباره شيئا زائدا عن الحاجة يجب التخلّص منه.
     
     وفعلا، ضمن هذا الفهم، أمعن النظام في القهر والإلغاء وتجاهل الحاجات الأساسيّة، ونظر إلى الجسد، جسد المواطن باعتباره شيئا مقلقا، يجب قمعه، وردّه إلى حجمه، وإسكاته وتناسى الجميع أنّ هذا الإنسان العاري، المشيّأ، الذّي بلا صوت، المحتقر، المتفّه، الملغى من كلّ مشاريع التنمية، الزائد عن الحاجة، المقهور، المقموع، بإمكانه أن يتصرّف في "الشيء" الوحيد الذّي يملكه، وهو جسده، وبالفعل تصرّف فيه بالحرق أمام مقرّ الحاكم، فاهتزّت الأرض التّي كان الحاكم يظنّ أنّها لا تهتزّ.
     
     والبوعزيزي ليس إلاّ مواطنا منزوع الهويّة، مغيّبا، بلا ملامح، بلا خصوصيّة، مجهولا، وبلا أيّ نزعة سياسيّة، كغيره من "النّاس" ذوي الملامح الممحوّة، هؤلاء تحرّكوا، أجسادهم تصرّفت، بتأثير الحرق، في جسديتها، وصرّفتها تصريفا حقوقيا وقانونيا وسياسيا، وطالبت في لحظة فارقة بحقوقها بعيدا عن الحياة التّي هي التجسيد المطلق للشرّ الجذري، وتفاهته، وتوتاليتاريته التّي هي التّمثيل الحقيقي للشرّ المحض  استعاد الجسد الممحوّ ملامحه لبعض الوقت، وتمّت إشاعة فضاءات حقوقيّة لأوّل مرّة باعتبارها ممكنات قابلة للتّجسيد، وانبثقت رؤيات مختلفة حول الديمقراطية والتّنمية وإنسانية الإنسان، وانقلبت في أيّام تلك الجموع من مجرّد أرقام بلا قيمة، إلى أمواج بشريّة كاملة الحقوق تحدّد، بأجسادها الحقيقيّة، قيمة كل شيء. 
     
    ينتقل الحدث في هذه النصوص إلى صدى بعيد، وتنزلق الأحلام إلى مخابئها، وتبدأ المرارات من جديد في ليّ أعناق الوجود الرّخوة، وتسوء الأحوال، ولا يتغيّر شيء. لكنّ القصيدة لا تعترف بما يحدث، بل تحتزّ مسارها في ذلك اليتم وفي ذلك الأسى والغيظ والعنف، وتقفز، بواسطة ما تمّ ترميزه، على واقعها، وتحتمي بما يستمرّ نابضا بالحياة من تراثاتها، وفي هذا الامتداد تبتني جسدها الخاص، وتنبت فيه حقيقتها، باعتبارها ذواتا كاملة الحقوق.
     
    في هذا الكتاب الذي امتدت كتابته ومراجعته لسبع سنوات القصيدة أصبحت جرحا لا يلتئم، وهاجمها السّرد بشدّة حتّى كاد يفتك بها، ذلك ان حدث الثورة كان محرّكا للشاعر بعمق، وهزّه، فآمن أنّ هناك أملا، وقاده ذلك الأمل إلى نوع من الطوباويّة في النّظر إلى الأمور لتنفتح بعض قصائد في هذا الكتاب على نوع من الغنائيات المرحة التّي تقابل تلك المناحات العميقة في بعضها الآخر.
     
    في الكتاب تتجلى بكثافة "القصيدة المدوّرة "لأنّ المقام اقتضاها و كانت بعض القصائد تريد الجمل الطويلة وكانت بعض القيعان الأسطوريّة تريد الانتشاروكان يتردّد فيها عمل إيقاعي شديد الثّراء على المستوى الدّاخلي وهذا التمدّد حاول الشاعر كسره في نصوص أخرى. 
     
    عن هذا الكتاب ومكنوانات التفاؤل فيه يقول صاحبه بعد 3 سنوات من صدوره"لم أعد متفائلا، لكن القصيدة ما تزال تبدو متفائلة  لم أعد أشعر بفرح، لكنّ القصيدة ما تزال قادرة على إطلاق فرحتها رغم كلّ شيء... يشعرني ذلك بألم، ألم لم أكن لأفكّر فيه لو لم تعد الحياة إلى المربّع الأوّل، والأحلام إلى العدم، والمطالب إلى المزيد من المطالب، ولأنّه لم يتحقّق شيء، ولأنّ ذلك الإنسان العاري الذّي تحدّثنا عنه ما يزال عاريا، لكن تحت الكاميرا، وفوق خشبات المسرح، ولأنّ العالم الذّي إنهار لم ينهر تماما، بل أثير بقوّة، فعادت ماكينته لترمّم نفسها، وتستر سوءاتها، وتمعن في تبنّي استراتيجيات الضحيّة، وهي في طريقها لتسود لمئة عام أخرى على الأقل، كما كانت دائما فالفرح الذّي أتحدّث عنه مليء بالخوف والرّجاء والأمل، وهو فرح تقوله اللغة لذاتها، وليس لي فيه كبير فضل".
     
     
     
    الدخول للتعليق

    Please publish modules in offcanvas position.