بين هاجس التوثيق وجماليات الشاشة: قراءة نقدية شاملة في تجربة عبد اللطيف القروري السينمائية

بين هاجس التوثيق وجماليات الشاشة: قراءة نقدية شاملة في تجربة عبد اللطيف القروري السينمائية

بين هاجس التوثيق وجماليات الشاشة: قراءة نقدية في تجربة عبد اللطيف القروري السينمائية

بقلم عزيز بن جميع

تتفرّد تجربة المخرج والمنتج والصحفي عبد اللطيف القروري بموقع خاص في المشهد التونسي والمغاربي، إذ تقف أعماله الوثائقية والسينمائية عند نقطة التماس الدقيقة بين التحقيق الصحفي الاستقصائي والتوثيق التاريخي والجمالي. فهو سينمائي لا يقدّم الصورة لمجرّد الإبهار البصري، بل يتخذ من العدسة أداة لاستكشاف الذاكرة الجمعية وتفكيك تفاصيل المكان والهوية.

أولاً: المرتكزات الجمالية والفكرية في سينما القروري

الشهادة الحية والبحث الأرشيفي:

يعتمد أسلوبه على التقاطعات الشفهية والشهادات النادرة للمؤرخين والمعماريين والشخصيات المعاصرة، مما يمنح أفلامه طابعاً وثائقياً رزيناً ومتماسكاً، ويعزّز قدرتها على استحضار الماضي وربطه بالحاضر.

المكان بوصفه بطلاً درامياً:

يتعامل القروري مع المكان والمعمار باعتبارهما كيانين حيّين يحملان أبعاداً سياسية وثقافية، كما يتجلّى ذلك في اشتغاله على المعالم التاريخية والتراث الموريسكي والعمران التونسي. فالمكان في تجربته ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر أساسي في بناء المعنى واستنطاق الذاكرة.

الاشتغال على الهوية والتاريخ:

تتجه أفلامه نحو نبش الذاكرة الوطنية والتاريخ الثقافي، من خلال قضايا ومواضيع تمسّ الموروث الحضاري في عمقه، وتعيد طرح أسئلة الانتماء والهوية وعلاقة المجتمع بماضيه.

ثانياً: قراءة نقدية في الأسلوب والتحولات

على مستوى المادة التاريخية، تتميّز تجربة القروري بإثراء الرصيد البصري بالوثائق والبحث الدقيق، وهو ما يمنح أعماله قيمة توثيقية واضحة. غير أن التحدي يظل قائماً في تحقيق التوازن بين التقريرية الصحفية وشاعرية السينما، حتى لا تطغى المعلومة على الصورة أو تتحوّل الشهادة إلى غاية في حد ذاتها.

أما في تعامله مع المعمار والبناء البصري، فينجح في إبراز جماليات التراث والهوية العمرانية بعناية واضحة، مستثمراً تفاصيل المكان وخصوصياته. ومع ذلك، فإن تطوير إيقاع المونتاج وتنويع المعالجة البصرية قد يمنحان بعض الأعمال حيوية أكبر، ويعزّزان قدرة الصورة على جذب المتلقي وإشراكه وجدانياً.

وفي ما يتعلّق بالرؤية الإخراجية، تقدّم أعماله الذاكرة الوطنية من منظور توثيقي رصين، وتؤكد أهمية السينما في حفظ التراث وإعادة قراءته. لكن الرهان الجمالي يظلّ مرتبطاً بمدى القدرة على تجاوز البعد التعليمي والتوثيقي نحو بناء درامي وبصري أكثر كثافة، تتكامل فيه المعلومة مع الإيقاع والتعبير الفني.

تظلّ سينما عبد اللطيف القروري مشروعاً وثائقياً جاداً يحمل همّ الذاكرة والتوثيق التراثي والحضاري، ويجعل من الصورة وسيلة لاستعادة ملامح التاريخ الوطني وصون تفاصيله من النسيان.

وبين الجهد الاستقصائي الرزين والسعي إلى صياغة بصمة بصرية خاصة، تشكّل أعماله إضافة إلى المشهد السينمائي التونسي، بما تطرحه من أسئلة حول العلاقة بين الوثيقة والصورة، وبين المعرفة التاريخية والتعبير الفني. ولعلّ الرهان الأبرز في هذه التجربة يتمثّل في مواصلة تطوير أدواتها الجمالية، بما يتيح الجمع بين دقة الأرشيف وحرية الرؤية السينمائية، ويمنح الذاكرة قدرة أكبر على التأثير والتجدد على الشاشة.

عزيز بن جميع