موقوف أجنبي، خلية متهمة بضرب منشآت النفط والكهرباء، تقارب بين الشرق والغرب.. وحديث عن مقايضة لا تزال بلا دليل معلن
طرابلس – في ليبيا، قد لا تكون نهاية التحقيق هي نهاية القصة. أحياناً تبدأ الأسئلة الأكثر حساسية بعد إغلاق أبواب غرف التحقيق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تمس الأمن والمنشآت النفطية وتقاطعات النفوذ بين شرق البلاد وغربها.
وتأتي قضية المواطن الإسباني المعروف باسم «مارك» في هذا السياق، وسط روايات متداولة عن الإفراج عنه وترحيله إلى إسبانيا بعد توقيفه على خلفية قضية مرتبطة بخلية اتهمتها السلطات الليبية باستهداف منشآت حيوية.
لكن بين ما هو معلن رسمياً وما يُتداول في الكواليس، لا تزال مساحات واسعة من الغموض تحيط بالملف.
خلية استهدفت النفط والكهرباء
في 6 سبتمبر/أيلول، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية تفكيك ما وصفته بـ«خلية تخريبية منظمة»، عقب عملية أمنية واستخباراتية نفذتها وزارة الدفاع.
وقالت الحكومة إن العملية أسفرت عن توقيف خمسة أشخاص، بينهم ليبيون وأجانب، واتهمت الخلية بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة انتحارية استهدفت خزانات نفط في طرابلس والزاوية، إضافة إلى محطة كهرباء في الزاوية.
كما تحدثت السلطات عن إحباط مخططات أخرى كانت، وفق روايتها، تستهدف محطة كهرباء جنوب طرابلس ومنشآت حيوية وشخصيات سياسية وأمنية وعسكرية.
غير أن البيان الرسمي لم يكشف أسماء جميع الموقوفين ولا جنسياتهم، كما لم ينشر تفاصيل الأدلة التي استندت إليها التحقيقات.
وهنا بدأ الغموض.
أين ذهب «مارك»؟
مع تداول معلومات عن مواطن إسباني يعرف باسم «مارك» وارتباطه بالملف، برز سؤال آخر: كيف انتهى مساره داخل القضية؟
الروايات المتداولة تتحدث عن الإفراج عنه ومغادرته ليبيا باتجاه إسبانيا، بينما لا تظهر في المصادر الرسمية التي أمكن التحقق منها تفاصيل واضحة عن الأساس القانوني لهذا الإفراج أو القرار الذي سمح بمغادرته البلاد.
والأكثر أهمية أن وزارة الدفاع الليبية نفت، في 19 سبتمبر/أيلول، وجود أي نية للتفاوض بشأن قضية الخلية، مؤكدة أن التحقيقات لا تزال جارية وأن السلطات تعمل على تحديد جميع المتورطين والجهات المرتبطة بهم، مع التعهد بإعلان نتائج التحقيقات عند استكمالها.
وبذلك، يصبح الحديث عن «صفقة» أو «مقايضة» في حاجة إلى أدلة مستقلة قبل اعتباره حقيقة.
من الأمن إلى السياسة؟
رغم ذلك، يصعب فصل الملف عن المشهد الليبي الأوسع.
فخلال 2026، ظهرت اتصالات وتقاطعات غير مسبوقة نسبياً بين شخصيات عسكرية من معسكري الشرق والغرب، خصوصاً خلال مناورات «فلينتلوك 2026» التي احتضنتها ليبيا، وشهدت مشاركة قوات من الطرفين.
وكان عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية، وصدام حفتر، نائب القائد العام للقوات التابعة للقيادة العامة في الشرق، من أبرز الحاضرين في افتتاح المناورات بمدينة سرت.
كما ربطت تقارير دولية هذه التحركات بمحاولات أوسع لدفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وإن كان مضمون التفاهمات السياسية والعسكرية لا يزال محل نقاش.
النفط.. الورقة التي تجعل الملف أكثر حساسية
تزداد حساسية القضية عندما يدخل النفط إلى المشهد.
فالاقتصاد الليبي يعتمد بصورة كبيرة على قطاع الطاقة، فيما شهدت منشآت نفطية خلال الفترة الأخيرة اضطرابات واحتجاجات وإغلاقات أثرت في الإنتاج والإمدادات. وقد حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من تداعيات استمرار إغلاق بعض الحقول والمنشآت.
لكن الربط بين ملف «مارك» وأي ترتيبات أو امتيازات نفطية يبقى، حتى الآن، تحليلاً أو ادعاءً يحتاج إلى توثيق مستقل، وليس واقعة مثبتة في المصادر الرسمية التي أمكن الوصول إليها.
وهنا تكمن أهمية الفصل بين سؤالين مختلفين: هل حدث الإفراج بالفعل وفق ترتيبات غير معلنة؟ وهل كان النفط جزءاً من تلك الترتيبات؟
الأول يحتاج إلى وثائق أو تصريحات رسمية واضحة، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة أكثر تحديداً.
ما الذي نعرفه.. وما الذي لا نعرفه؟
المؤكد أن السلطات الليبية أعلنت تفكيك خلية تضم ليبيين وأجانب واتهمتها باستهداف منشآت نفطية وكهربائية. والمؤكد أيضاً أن وزارة الدفاع قالت لاحقاً إن التحقيقات مستمرة ونفت وجود مفاوضات بشأن القضية.
أما هوية «مارك»، وظروف الإفراج عنه، والأساس القانوني لمغادرته ليبيا، وما إذا كان قد جرى بالفعل أي تفاوض بشأنه، ثم ما إذا كان النفط قد دخل في أي تفاهم من هذا النوع، فهي أسئلة لا تزال بحاجة إلى إجابات موثقة.
وفي بلد تتقاطع فيه الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية، يمكن أن تتحول واقعة صغيرة إلى مفتاح لملف أكبر.
فمن أطلق سراح «مارك»؟ وبأي أساس؟ وهل كان خروجه إجراءً قانونياً عادياً أم جزءاً من تفاهم لم يُكشف عنه بعد؟
أسئلة مفتوحة، فيما تبقى الإجابة الحاسمة معلقة إلى أن تظهر وثيقة، أو تصريح رسمي، أو دليل يخرج هذا الملف من منطقة التكهنات إلى دائرة الحقائق.


