اختر لغتك

كتاب "رمضان زمان في تونس بين العادات والتقاليد" للدكتور الباحث أنيس المحجوبي… رحلة في ذاكرة رمضان التونسي

كتاب "رمضان زمان في تونس بين العادات والتقاليد" للدكتور الباحث أنيس المحجوبي… رحلة في ذاكرة رمضان التونسي

تزامنًا مع حلول شهر رمضان المعظّم، صدر مؤخرًا كتاب جديد بعنوان "رمضان زمان في تونس بين العادات والتقاليد" للدكتور الباحث أنيس المحجوبي، وهو عمل توثيقي يرصد من خلاله المؤلف ملامح الحياة الرمضانية في المجتمع التونسي خلال فترات سابقة، مستحضرًا ما ارتبط بهذا الشهر الفضيل من مظاهر روحية واجتماعية وثقافية.

ويهدف هذا الإصدار إلى استعادة جانب من الذاكرة الرمضانية التونسية، عبر توثيق العادات والتقاليد التي طبعت هذا الشهر في وجدان التونسيين، سواء من خلال طقوس العبادة والتضامن الاجتماعي، أو عبر تنوع الأطعمة والمأكولات التي كانت تزين موائد الإفطار والسحور، إلى جانب السهرات العائلية والألعاب الشعبية والأنشطة الثقافية والترفيهية التي كانت تضفي على ليالي رمضان أجواءً خاصة.

ويشير مؤلف الكتاب إلى أن هذا العمل يندرج في إطار محاولة توثيقية لاستعادة صورة شهر رمضان كما عاشه التونسيون في الأزمنة الماضية، لا باعتباره مجرد فترة زمنية من السنة الهجرية، بل باعتباره فضاءً اجتماعياً وثقافياً وروحياً تتقاطع فيه الممارسات الدينية مع العادات اليومية، وتتداخل فيه مظاهر التعبّد مع أنماط العيش والاحتفال والتلاقي الإنساني. وينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن رمضان في المجتمع التونسي لم يكن فقط شهرًا للصيام والعبادة، بل كان أيضًا موسمًا غنيًا بالطقوس الجماعية التي تعكس عمق الهوية الثقافية للمجتمع وتبرز تنوع ممارساته الرمزية والمادية.

ويركّز الكتاب في فصوله على البعد الروحي والديني الذي شكّل قلب التجربة الرمضانية في تونس عبر التاريخ، حيث ارتبط هذا الشهر لدى التونسيين بمظاهر إيمانية عميقة، تجلّت في الإقبال على المساجد لأداء الصلوات، وخاصة صلاتي التراويح والتهجد، إلى جانب الإكثار من تلاوة القرآن الكريم وحضور حلقات الذكر والدروس الدينية التي كانت تنتظم في الجوامع والزوايا. كما كان لهذا الشهر حضور قوي في الوجدان الجماعي من خلال قيم التضامن والإحسان والتكافل الاجتماعي، حيث تتكاثف أعمال الخير وإطعام الفقراء وتبادل الزيارات العائلية، فتتحول الأيام والليالي الرمضانية إلى فضاء للتقارب الإنساني وإحياء الروابط الاجتماعية.

ولا ينفصل هذا البعد الروحي عن الجانب المادي واليومي الذي يتجلّى خصوصًا في عالم الأطعمة والمأكولات الرمضانية، إذ يشير الكتاب إلى أن الموائد التونسية خلال رمضان كانت مجالًا خصبًا للتنوع والإبداع الغذائي. ويقدّم المؤلف تصنيفًا دقيقًا للأطباق المرتبطة بهذا الشهر، فيميز بين أطباق الإفطار الأساسية مثل الشوربة والكسكسي وأنواع الطواجن، وبين الأطعمة الخفيفة التي ترافق السهرات الرمضانية، إلى جانب الحلويات التقليدية التي تزيّن الموائد مثل الزلابية والمخارق والبقلاوة والمقروض وغيرها من الأصناف التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الغذائية للتونسيين. كما يتوقف الكتاب عند الدور الذي لعبته الأسواق الشعبية والحرفيون وصناع الحلويات في إحياء هذا التراث الغذائي، حيث تتحول الأسواق خلال شهر رمضان إلى فضاءات نابضة بالحياة تعكس حركية المجتمع وعاداته الاستهلاكية المرتبطة بهذا الشهر.

ومن جهة أخرى، يسلّط الكتاب الضوء على البعد الثقافي والفكري الذي ميّز ليالي رمضان في تونس، حيث كانت هذه الليالي مناسبة لازدهار حلقات الأدب والشعر والسمر الثقافي، إذ يجتمع الناس في المقاهي أو البيوت للاستماع إلى الحكايات الشعبية والقصص التراثية، أو لمتابعة العروض الموسيقية والإنشاد الديني. كما شكّلت المجالس الرمضانية فضاءً لتبادل الأفكار والنقاشات حول القضايا الاجتماعية والثقافية، مما جعل من هذا الشهر موسمًا ثقافيًا حقيقيًا تتلاقح فيه المعرفة الشعبية مع أشكال التعبير الفني المختلفة.

أما الجانب الترفيهي، فقد كان حاضرًا بدوره بقوة في الذاكرة الرمضانية التونسية، حيث كانت السهرات الليلية بعد الإفطار وصلاة التراويح تتحول إلى لحظات للمتعة الجماعية والتواصل الاجتماعي. وكانت الأزقة والساحات تشهد ألعابًا شعبية يمارسها الأطفال والشباب، في حين تنتشر في المقاهي ألعاب تقليدية مثل الورق والدامة وغيرها من وسائل الترفيه التي تضفي على ليالي رمضان أجواء من الألفة والمرح، وهو ما يعكس قدرة المجتمع التونسي على التوفيق بين روحانية الشهر ومتطلبات الحياة الاجتماعية.

ومن خلال هذا الإصدار التوثيقي، يسعى الباحث إلى حفظ الذاكرة الرمضانية التونسية وتوثيق مظاهرها المختلفة قبل أن تطمسها تحولات الزمن وتسارع أنماط الحياة الحديثة، إذ لا يكتفي بسرد العادات والتقاليد، بل يحاول تحليل دلالاتها الاجتماعية والثقافية، مبرزًا كيف استطاع المجتمع التونسي أن يطوّر عبر التاريخ نموذجًا خاصًا للاحتفاء بشهر رمضان يجمع بين الأصالة والتنوع.

ويشكّل هذا الكتاب، في مجمله، مساهمة مهمة في دراسة التراث الاجتماعي التونسي، ومحاولة لإحياء صورة رمضان كما عاشته الأجيال السابقة بكل ما حمله من روحانية ودفء إنساني وغنى ثقافي.

ويُذكر أن مؤلف الكتاب الدكتور أنيس المحجوبي من مواليد مدينة الزهراء بولاية بن عروس، وهو متحصّل على الماجستير والدكتوراه في التاريخ المعاصر وفي الحضارة العربية، كما نال الأستاذية في اللغتين الإيطالية والألمانية. وقد أصدر سابقًا عدة مؤلفات من بينها "اليهود في تونس" و**"الديوانة التونسية زمن الاستعمار"** و**"الديوانة التونسية ودورها في الاقتصاد الوطني"**.

منصف كريمي

آخر الأخبار

كتاب "رمضان زمان في تونس بين العادات والتقاليد" للدكتور الباحث أنيس المحجوبي… رحلة في ذاكرة رمضان التونسي

كتاب "رمضان زمان في تونس بين العادات والتقاليد" للدكتور الباحث أنيس المحجوبي… رحلة في ذاكرة رمضان التونسي

"المُتثائر".. رواية جديدة تطرح أسئلة الفكر والهوية

"المُتثائر".. رواية جديدة تطرح أسئلة الفكر والهوية

الإفريقي يفرض منطقه… انتصار عريض على المكنين يعزز موقعه في القمة

الإفريقي يفرض منطقه… انتصار عريض على المكنين يعزز موقعه في القمة

“الجوال” على ركح نابل… كوميديا ساخرة لتلاميذ مدرسة الكرامة تنافس في الملتقى الجهوي للفنون الركحية

“الجوال” على ركح نابل… كوميديا ساخرة لتلاميذ مدرسة الكرامة تنافس في الملتقى الجهوي للفنون الركحية

"روح إمرأة" : عندما تتلاقى إرادة الإمارات وتونس للاحتفاء بقوة المرأة وصناعة المستقبل: أمسية رمضانية في تونس تجسد عمق العلاقات الأخوية بين البلدين وتؤكد مكانة المرأة في مسيرة التنمية

"روح إمرأة" : عندما تتلاقى إرادة الإمارات وتونس للاحتفاء بقوة المرأة وصناعة المستقبل: أمسية رمضانية في تونس تجسد عمق العلاقات الأخوية بين البلدين وتؤكد مكانة المرأة في مسيرة التنمية

Please publish modules in offcanvas position.