مواكبة: عزيز بن جميع
ماذا يحدث حين تتعدد الأصوات داخل النص القصصي؟ وكيف تتحول الحكاية من سرد أحادي إلى فضاء تتقاطع فيه الرؤى وتتداخل فيه المواقف، لتمنح القارئ تجربة أكثر ثراءً وعمقًا؟
في كتابه «التعدّد الصوتيّ من خلال نماذج قصصية»، يفتح عبّاس سليمان نافذة نقدية على أحد المفاهيم الأساسية في تحليل الخطاب السردي، متوقفًا عند كيفية تشكّل الأصوات داخل المتن القصصي، وما تتيحه من إمكانات فنية ودلالية تتجاوز حدود الحكاية المباشرة.
فالنص القصصي، وفق هذا المنظور، ليس مجرد أحداث يرويها صوت واحد، بل قد يكون فضاءً تتجاور فيه وجهات النظر، وتتفاعل داخله المواقف والتصورات، بما يجعل المعنى حصيلة حوار بين أصوات متعددة، لا نتيجة رؤية منفردة تفرض نفسها على القارئ.
ومن خلال مقاربة نماذج قصصية، يتجه الكتاب إلى استكشاف آليات اشتغال التعدد الصوتي، ودوره في بناء الشخصيات وتوسيع أفق التأويل، فضلًا عن إسهامه في منح السرد حيوية فنية تسمح بقراءة التجربة الإنسانية من زوايا مختلفة.
وتكمن أهمية هذا الموضوع في أنه يدعو إلى تجاوز القراءة التي تكتفي بتتبع الأحداث، نحو تحليل أعمق للعلاقات بين الأصوات ومواقعها داخل النص، وللكيفية التي تتشكل بها الرؤية السردية عبر التفاعل والتباين، وأحيانًا عبر التوتر بين وجهات النظر.
بهذا المعنى، يمثل كتاب عبّاس سليمان مدخلًا إلى مساءلة العلاقة بين الصوت والمعنى، وبين بنية الحكاية وثراء التجربة الأدبية، مؤكدًا أن فهم النص لا يقتصر على معرفة ما يرويه، بل يمتد إلى الإصغاء إلى الأصوات التي تمنحه خصوصيته وتكشف أبعاده الخفية.


