بقلم: عزيز بن جميع
في زمن تلفزيوني باتت فيه أغلب المنوعات أسيرة التكرار والإيقاع الاستهلاكي السريع، جاءت منوعة عيد الأضحى للإعلامية ميساء باديس لتعلن تمرّدها الكامل على الرداءة، وتفرض نفسها كواحدة من أقوى السهرات الفنية التي بثتها القنوات التونسية خلال العيد.
لم تكن مجرد حصة احتفالية عابرة، بل مشروعا فرجويا متكاملا جمع بين المتعة البصرية والعمق الثقافي، ليؤكد أن التلفزيون مازال قادرا على صناعة الإبهار عندما تتوفر الرؤية والجرأة والذوق الرفيع.
أولى مفاجآت السهرة تمثلت في الحضور اللافت للفنان حمادي الوهايبي، الذي ظهر بوجه فني مختلف، متحررا من القوالب التقليدية التي طالما حاصرت حضوره الإعلامي. فقد نجح في تحويل الحوار إلى مساحة فكرية وفنية راقية، مؤكدا أن الفنان الحقيقي يسطع كلما وجد من يحسن إدارة حضوره ويمنحه المساحة التي يستحقها.
ومن أبرز نقاط قوة المنوعة، ذلك التوازن الذكي بين الفرجة والروحانية، حيث اختارت ميساء باديس إدراج فقرة “السلامية” في خطوة أعادت للعيد هيبته الوجدانية وأصالته التونسية. فوسط الإيقاعات السريعة والصخب المعتاد، جاءت هذه الفقرة كاستراحة روحية أنيقة منحت البرنامج عمقا إنسانيا وجماليا نادرا.
أما ميساء باديس نفسها، فقد كانت العنوان الأبرز للنجاح. ظهرت بكاريزما قوية وثقة عالية، وأثبتت أنها تمتلك أدوات “ملكة المنوعات” بامتياز، سواء من خلال إدارتها السلسة للبلاتو أو قدرتها على التنقل الذكي بين الفقرات والضيوف دون ارتباك أو افتعال.
كما خطفت الأنظار بإطلالة جمعت بين أصالة الجبة التونسية وحداثة التفاصيل الجمالية العصرية، في صورة عكست المرأة التونسية الأنيقة المعتزة بهويتها والمنفتحة في الآن نفسه على روح العصر.
ولعل أهم ما نجحت فيه هذه السهرة أنها أعادت الاعتبار لفكرة “المنوعة الراقية”، بعيدا عن الابتذال والصخب المجاني. فقد قدمت ميساء باديس سهرة متكاملة العناصر، رفعت سقف التحدي عاليا وأكدت أن الجمهور التونسي مازال يبحث عن الجودة والتميز والمحتوى الذي يحترم ذائقته.
منوعة عيد الأضحى لميساء باديس لم تكن مجرد برنامج تلفزيوني، بل رسالة واضحة مفادها أن الفن الحقيقي قادر دائما على الانتصار، حتى وسط أكثر المشاهد الإعلامية جفافا وتصحرًا.



