بقلم عزيز بن جميع
في البدء، كان مهرجان قرطاج الدولي "صرحاً" شامخاً، لا بالمعنى الإنشائي للمسرح الروماني، بل بالهيبة الفكرية والفنية التي كانت تميز حفلات الافتتاح الكبرى التي تعد في سنوات و لا في عشوية و التي شيّد أركانها قامات وطنية من عيار الفاضل الجزيري ومحمد القرفي. كان افتتاح المهرجان حدثاً استثنائياً، ملحمةً فنيةً تُشحن فيها الذاكرة الجماعية بالدهشة، وتُحترم فيها ذائقة جمهور لا يرضى بأقل من الإبداع.
أما اليوم، فنحن أمام "صرح يهوي". لقد انحدر سقف الطموح ليعانق الأرض، وتراجع المهرجان من تقديم الأوبرات والتصورات الفنية الكبرى إلى التورط في "حفل عائلي" يقتصر على تكريم الطفولة والذكريات الشخصية التي لا تعني أحداً سوى أصحابها. أن يتحول افتتاح أعرق مهرجان في العالم العربي إلى ما يشبه "حفلات الوطية" هو إعلانٌ رسمي عن إفلاس الرؤية، واستخفافٌ بحرمة الركح الذي وقف عليه كبار العالم.
والغصة الكبرى لا تكمن في هذه السقطة فحسب، بل في "الإصرار على العبث" من خلال تهميش الكفاءات التي كان بإمكانها أن تعيد للركح ألقه. ففي الوقت الذي كان فيه المهرجان في أمسّ الحاجة إلى أعمال طربية رصينة تليق بقرطاج، أدار القائمون ظهورهم لأسماء وازنة، وأبقوا على "الذهب" في دكة البدلاء. لقد كان بالإمكان التعويل على خبرات سنية مبارك في تقديم أوبريتات تلامس الروح، أو استحضار رصانة منير المهدي، أو الانفتاح على تجارب فنية متجددة على خطى ابن وديع الصافي. لكن، بدلاً من هذا المسار الذي يزاوج بين الأصالة والمعاصرة، آثرت الإدارة أن تُبقي هذه الكفاءات قسراً على "بنك الاحتياط"، بينما أُفسح المجال لمشاريع باهتة لا ترتقي لمصاف الهواية.
إنها سياسة "التهميش العمد" التي حولت قرطاج من منبر للإبداع الوطني إلى مساحة ضيقة للمجاملات والارتجالية. يا عيب الشوم على مهرجانٍ يمتلك "الذهب" في خزائنه، ويختار أن يغني في ساحاته بـ "الخردة"، ضارباً عرض الحائط بذاكرة جمهور كان يوماً يضبط بوصلة الفن في تونس، فأصبح اليوم يضبط إيقاعه على نغمات الرداءة.
ختاماً، يبقى الغريب في كل هذا المشهد هو ذلك التناقض الصارخ الذي يمارسه القائمون؛ فبينما يغرق المهرجان في رداءة التنظيم ومحدودية التصور، يرفعون شعارات النجاح والتميز، في حالة تنطبق عليها تماماً عبارة: "العجوزة هاززها الواد و هي تقول العام صابة.
و لعل الافتتاح الذي مر جانب الحدث كان عجة بالشكلاطة لن تبقى في الذاكرة.


