بقلم: عزيز بن جميع
كان من الصعب على أكثر المتشائمين أن يتخيلوا المشهد الذي عاشه مسرح قرطاج الأثري في إحدى ليالي مهرجانه العريق: مدارج شبه فارغة، كراسٍ تنتظر من يشغلها، وصمت ثقيل يخيم على فضاء طالما احتضن عمالقة الفن العالمي والعربي.
في ليلة كان يفترض أن تكون احتفاءً استثنائياً بالفنانة العالمية أنجيليك كيدجو، تحوّل المشهد إلى صورة مؤلمة تختصر أزمة أعمق من مجرد ضعف في الحضور الجماهيري. صورة مسرح تاريخي يواجه فراغاً غير مسبوق، وكأن الجدران نفسها تتساءل: كيف وصل مهرجان بحجم قرطاج إلى هذه اللحظة؟
لم تكن القضية في قيمة الفنانة أو مكانتها العالمية، بل في العلاقة المفقودة بين البرمجة والجمهور، بين القرار الثقافي وانتظارات الناس، وبين عراقة مهرجان أصبح لعقود عنواناً للتميز والرهان الحضاري.
قرطاج في مواجهة سؤال الكفاءة
ما حدث ليس مجرد سهرة لم تحقق الإقبال المنتظر، بل هو مؤشر خطير على خلل في طريقة إدارة أحد أهم المواعيد الثقافية في تونس.
فالمهرجان الذي كان يعرف كيف يجمع بين الجودة الفنية والحضور الشعبي، يبدو اليوم وكأنه يعيش أزمة هوية؛ بين خيارات لا تجد صداها لدى الجمهور، وآليات تسيير تحتاج إلى مراجعة عميقة تعيد للمهرجان بريقه ومكانته.
فحين تصبح البرمجة بعيدة عن نبض الشارع، وحين تغيب قراءة ذوق الجمهور وتحولاته، يصبح الفشل نتيجة طبيعية مهما كانت قيمة الأسماء المشاركة.
أسعار التذاكر.. جدار يفصل الجمهور عن الفن
من بين الأسباب التي تثير الجدل أيضاً مسألة أسعار التذاكر التي أصبحت عبئاً إضافياً على جمهور يعيش ظروفاً اقتصادية صعبة.
فالثقافة ليست امتيازاً لفئة محددة، ومهرجان بحجم قرطاج لا يمكن أن يفقد جمهوره الأساسي، ذلك الجمهور الذي صنع عبر السنوات أسطورته وحافظ على استمراريته.
عندما يشعر المواطن أن حضور عرض فني أصبح رفاهية بعيدة المنال، فإن المسافة بينه وبين المهرجان تتسع، وتتحول المنصة التي كانت تجمع الجميع إلى فضاء منفصل عن محيطه.
قطيعة مع الأجيال الجديدة
الأخطر من فراغ المدرجات هو فراغ العلاقة مع الأجيال الجديدة. فقرطاج لم يكن مجرد عروض فنية، بل كان مدرسة للذائقة ونافذة يكتشف من خلالها الشباب أسماء وتجارب جديدة.
لكن غياب رؤية واضحة لجذب الجمهور الشاب، وغياب التوازن بين الأسماء الكبرى والمشاريع التي تعكس تطلعات الجيل الجديد، جعلا الهوة تتسع بين المهرجان وبيئته الطبيعية.
قرطاج أكبر من أي إدارة عابرة
مسرح قرطاج ليس مجرد فضاء حجري، بل ذاكرة وطنية وواجهة ثقافية لتونس. وما حدث يجب ألا يُقرأ كحادثة عابرة، بل كدعوة عاجلة لإعادة التفكير في مستقبل هذا الحدث التاريخي.
فالمهرجانات الكبرى لا تعيش فقط بالأسماء العالمية، بل بالرؤية، وبحسن الإصغاء للجمهور، وبالقدرة على صناعة التوازن بين الفن الراقي والانتشار الشعبي.
قرطاج يستحق أكثر من إدارة مناسباتية وأكثر من اختيارات مرتجلة. فهو إرث ثقافي لا يملكه أحد، بل هو ملك لتونس كلها.
والتاريخ سيحتفظ دائماً بمن حافظ على هيبة قرطاج، كما سيتذكر كل من ساهم في إضعاف صورة منارة ثقافية صنعت مجد الفن التونسي لعقود.


