لم تكن العواصف الشمسية تشكل خطراً على التكنولوجيا الحديثة فقط، فقد كشف باحثون أن اضطراباً مغناطيسياً قوياً في القرن التاسع عشر تسبب بالفعل في تعطيل أنظمة إشارات السكك الحديدية البريطانية، لكن المفاجأة أن التاريخ الذي ارتبط بالحادثة لسنوات كان خاطئاً.
وتعود بداية القصة إلى عام 2013، عندما أعاد باحثون اكتشاف تقرير تاريخي يتحدث عن تأخر قطار كان يغادر مدينة إكستر جنوب غربي إنجلترا لمدة 16 دقيقة، بسبب ما وصف آنذاك بـ«اضطراب مغناطيسي شديد للغاية» أثّر في معدات الإشارات.
وكان يُعتقد أن الواقعة حدثت عام 1841، الأمر الذي جعلها تُصنف باعتبارها أقدم دليل معروف على تأثير الطقس الفضائي في التكنولوجيا التي يستخدمها البشر.
السكة الحديدية كشفت الخطأ
لكن التدقيق في التفاصيل التاريخية كشف مشكلة جوهرية: خط السكك الحديدية الذي ورد في التقرير لم يكن قد دخل الخدمة عام 1841 أصلاً، بل بدأ تشغيله في عام 1846.
وهنا بدأ اللغز الحقيقي: إذا كان الخط لم يكن موجوداً عام 1841، فمتى وقع الحادث فعلياً؟
وللإجابة عن هذا السؤال، جمع فريق بحثي بقيادة علماء من جامعة لانكستر بين السجلات العلمية والتاريخية، بما في ذلك بيانات النشاط الشمسي، وسجلات ظهور الشفق القطبي، والصحف القديمة، فضلاً عن جداول مواعيد القطارات.
18 أكتوبر 1848.. التاريخ الصحيح؟
قاد تحليل هذه البيانات الباحثين إلى استنتاج أن حادثة قطار إكستر وقعت على الأرجح في 18 أكتوبر 1848، بالتزامن مع اضطراب مغناطيسي قوي في المجال المغناطيسي للأرض.
وكان من شأن مثل هذه الاضطرابات التأثير في التقنيات الكهربائية المتاحة آنذاك، خصوصاً أنظمة التلغراف وإشارات السكك الحديدية.
وقال البروفيسور جيم وايلد من جامعة لانكستر إن تصحيح تاريخ الحادثة لا يقلل من أهميتها العلمية والتاريخية، إذ تظل واحدة من أقدم الحالات الواضحة التي توثق تأثير النشاط الشمسي في البنية التحتية البشرية.
لكن المفاجأة لم تنتهِ هنا
المثير أن قطار إكستر لم يعد، بعد تصحيح التاريخ، أقدم مثال معروف على تأثير الطقس الفضائي في التكنولوجيا.
فالبحث يشير إلى حادثة أقدم وقعت في مارس 1847، عندما تسبب اضطراب مغناطيسي في حدوث تداخلات في نظام تلغرافي مرتبط بخط سكة حديد ميدلاند.
وبذلك، لم يكن العلماء أمام قصة عاصفة شمسية قديمة فحسب، بل أمام خطأ تاريخي استمر سنوات قبل أن تسمح مقارنة الوثائق العلمية بسجلات السكك الحديدية بإعادة بناء التسلسل الزمني للحادثة.
من التلغراف إلى الأقمار الصناعية
وتكتسب هذه الاكتشافات أهمية تتجاوز الجانب التاريخي، لأن اعتماد البشر على التكنولوجيا جعل تأثير النشاط الشمسي أكثر أهمية مع مرور الزمن.
ففي القرن التاسع عشر، كان الخطر يتركز أساساً على شبكات التلغراف وأنظمة الإشارات، بينما أصبحت العواصف الشمسية اليوم قادرة على التأثير في مجموعة أكبر بكثير من الأنظمة، تشمل الأقمار الصناعية، وشبكات الاتصالات، والملاحة، وشبكات الطاقة الكهربائية.
ويرى الباحثون أن دراسة آثار العواصف المغناطيسية القديمة توفر فرصة لفهم كيفية استجابة البنية التحتية البشرية للظواهر الشمسية الشديدة، خصوصاً في عالم يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا الفضائية والإلكترونية.
وهكذا، أعادت سجلات قطار بريطاني قديم كتابة فصل من تاريخ الطقس الفضائي: حادثة كان يُعتقد أنها تعود إلى عام 1841، قبل أن تكشف الوثائق أن التاريخ الصحيح كان على الأرجح 1848، فيما دفعت واقعة أخرى أقدم إلى إعادة ترتيب سجل أقدم التأثيرات المعروفة للعواصف الشمسية على التكنولوجيا البشرية.


