الإبحار في عمق الذاكرة مع الحبيب جغام… صوتٌ من الزمن الجميل لا تطفئه عواصف الابتذال

الإبحار في عمق الذاكرة مع الحبيب جغام… صوتٌ من الزمن الجميل لا تطفئه عواصف الابتذال

بقلم: عزيز بن جميع

«ضيف في الصيف»… حين يصبح الأثير شرفةً تطلّ على الذاكرة

للصيف حكاياته التي لا تنتهي، وللبحر ذاكرته التي تختزن أصوات العابرين وأسرار الأمكنة وحنين السنوات. وبين زرقة المياه ودفء الأمسيات، تستيقظ في دواخلنا وجوه وأصوات صنعت وجداننا، وتركت في الذاكرة ما لا تمحوه الأيام.

فالصيف ليس مجرّد فصل للراحة والاصطياف، بل هو أيضًا فسحة للعودة إلى الذات، واستعادة تفاصيل من زمن مضى، والغوص في ذاكرة ثقافية وإعلامية تختزن أسماءً صنعت مجد الكلمة وجمال الصوت ورقيّ الخطاب.

وفي ركن «ضيف في الصيف»، نبحر اليوم في اتجاه قامة إعلامية تونسية لها في الذاكرة مكانة خاصة، وصوت ألفته الأذن، وأسلوب ميّزه الرصانة والعمق، وحضور جمع بين الثقافة والأناقة والإنسانية.

ضيفنا هو الإعلامي القدير الأستاذ الحبيب جغام، أحد الوجوه التي ارتبط اسمها بالإذاعة الوطنية التونسية، وأحد الأصوات التي منحت الميكروفون أكثر من مجرّد وظيفة إعلامية؛ منحته روحًا وذائقة وذاكرة.

البحر والإذاعة ومارسيل خليفة… ثلاثية الوجدان

ثمة علاقة حميمة تجمع الحبيب جغام بالبحر والإذاعة وموسيقى مارسيل خليفة. ثلاثة عوالم تبدو مختلفة في ظاهرها، لكنها تلتقي في وجدان رجل يتذوّق الحياة بأذن الموسيقي، وحسّ المثقف، وتأمل العاشق للجمال.

البحر بالنسبة إليه ليس مجرّد فضاء للاصطياف، بل مساحة للتأمل واستعادة الصفاء، ومصالحة مع الذات بعيدًا عن ضجيج الحياة اليومية. أما الإذاعة، فهي عالمه الذي اختار أن يسكنه، وفضاؤه الذي صاغ فيه علاقة استثنائية مع الكلمة والصوت والمستمع.

وفي موسيقى مارسيل خليفة يجد ذلك المزيج النادر من الفن والحرية والحنين، حيث تتحوّل الأنغام إلى مواقف إنسانية، وتصبح الموسيقى لغةً تتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس الوجدان.

إنها ثلاثية تختصر جانبًا من شخصية الحبيب جغام: البحر بما يحمله من عمق، والإذاعة بما تمنحه من دفء، والموسيقى بما تختزنه من أحاسيس ومواقف وذاكرة.

من سوسة إلى الإذاعة الوطنية… مسيرة صنعتها الثقافة

لم تكن تجربة الحبيب جغام وليدة المصادفة، ولم يكن وصوله إلى عالم الإعلام مجرّد عبور عابر نحو مهنة. فقد تشكّلت ملامح شخصيته في بيئة مشبعة بالثقافة، وتغذّت تجربته من مسار عصامي جمع بين الأنشطة الثقافية والكشفية والمسرحية، ولا سيما في مدينة سوسة، حيث تتلاقى حيوية المجتمع مع تقاليد الفن والإبداع.

وكان للمحيط العائلي أثره في توجيه اهتماماته، خاصة من خلال شقيقه الراحل، الإعلامي الكبير صالح جغام، أحد الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الإذاعة والتلفزة التونسية. وقد مثّلت تجربته مصدر إلهام، دون أن يلغي ذلك خصوصية المسار الذي اختاره الحبيب لنفسه، ولا الملامح التي صاغ بها شخصيته الإعلامية المستقلة.

ومن هذه البدايات، شقّ طريقه نحو الإذاعة الوطنية التونسية، حاملًا معه رصيدًا ثقافيًا وفنيًا ساعده على بناء تجربة مهنية قائمة على المعرفة وحسن الإصغاء والقدرة على إدارة الحوار.

هناك، لم يكن الحبيب جغام مجرّد صوت يملأ الفراغ بين فقرات البرامج، بل إعلاميًا يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الحوار الحقيقي لا يقوم على كثرة الكلام، وإنما على جودة السؤال، واحترام الضيف، والقدرة على الإصغاء.

«يوم سعيد»… عودة الصوت الذي ألفته الذاكرة

ارتبط اسم الحبيب جغام طويلًا ببرنامج «يوم سعيد»، أحد أبرز البرامج الصباحية المباشرة في الإذاعة الوطنية، والذي شكّل على امتداد سنوات مساحة يومية للتواصل مع المستمع التونسي.

بصوته الرخيم وأدائه المتزن، استطاع أن يمنح البرنامج شخصية خاصة، وأن يجعل من الإطلالة الصباحية موعدًا مع الكلمة الأنيقة والحوار الهادئ والمعلومة التي تُقدَّم في قالب يجمع بين الجدية وخفة الروح.

غادر الحبيب جغام تقديم البرنامج سنة 2004، لتطول فترة غيابه عن هذه التجربة التي ارتبط بها اسمه، قبل أن يعود إليها مجددًا معدًّا ومقدّمًا، في محطة تحمل الكثير من الدلالات.

فالعودة إلى برنامج صنع جانبًا من الذاكرة المهنية ليست مجرد استئناف لمهمة قديمة، بل هي لقاء متجدد بين إعلامي وجمهور، وبين صوت ومكان، وبين تجربة نضجت بمرور السنوات وأثير لا يزال يتسع لأصحاب الكلمة الأصيلة.

واليوم، حين نستمع إلى الحبيب جغام في «يوم سعيد»، نشعر بأن بعض الأصوات لا تفقد قدرتها على إدخال البهجة إلى الصباح، لأنها لا تعتمد على الصخب ولا على افتعال الحضور، بل على رصيد من الخبرة والصدق والقدرة على مخاطبة الناس ببساطة المثقف وأناقة الإعلامي.

إعلامي تجاوز الميكروفون إلى رحابة الثقافة

لم يحصر الحبيب جغام تجربته في التنشيط الإذاعي، بل امتد اهتمامه إلى مجالات ثقافية وفنية متعددة، من السينما والمسرح إلى الأدب والموسيقى، مرورًا بالكتابة الصحفية والمقالة والنقد الفني.

وهو ما منح تجربته ثراءً يتجاوز حدود الأداء الصوتي، ليضعها في فضاء أوسع، تتداخل فيه الممارسة الإعلامية مع المعرفة الثقافية والقدرة على قراءة الأعمال الفنية واستيعاب سياقاتها.

فالإعلامي المثقف لا يكتفي بتقديم الضيف أو التعريف بالعمل، بل يسعى إلى وضع التجربة في إطارها، واستنطاق أبعادها، ومساعدة المتلقي على اكتشاف ما وراء الصورة والصوت والكلمة.

ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة الحبيب جغام جزءًا من تقاليد إعلامية تونسية آمنت بأن الإذاعة ليست وسيلة لنقل الأصوات فحسب، بل مؤسسة ثقافية قادرة على تهذيب الذوق العام، وتوسيع المدارك، وإقامة جسور بين الجمهور والفنون.

حين يصبح الصمت أبلغ من الردّ

لكن المسيرة الطويلة لا تخلو من المنغصات، ولا يسلم أصحاب التجارب الثرية دائمًا من ضيق النفوس أو تقلبات العلاقات المهنية.

وقد وجد الحبيب جغام نفسه، في بعض المحطات، أمام مواقف مؤلمة من أشخاص جمعته بهم زمالة العمل، وبلغ الأمر حدّ ما اعتبره محيطه إساءةً أو تشفّيًا في مسيرته، حتى بعد انتقاله إلى الكتابة في الصحافة المكتوبة.

غير أن ما يلفت في شخصية الرجل هو اختياره عدم الانجرار إلى سجالات تستنزف الوقت والكرامة، وعدم تحويل الخلافات إلى معارك مفتوحة على صفحات الصحف أو منصات التواصل.

لم يحتج إلى ردود صاخبة، ولم يجعل من تصفية الحسابات عنوانًا لحضوره، بل واصل الكتابة والعمل، متمسكًا بما يراه جوهر رسالته: الثقافة، والإعلام، والارتقاء بالذائقة.

ولعلّ في هذا السلوك ما يكشف جانبًا من طبعه؛ فليس كل صمت عجزًا عن الرد، وليس كل امتناع عن المواجهة ضعفًا. أحيانًا يكون الترفع اختيارًا واعيًا، وإيمانًا بأن قيمة الإنسان لا تحددها الضوضاء التي يثيرها حول نفسه، بل ما يتركه من أثر في الآخرين.

لقد ظلّ الحبيب جغام وفيًا لعالمه، منشغلًا بما يحب، ومتمسكًا بمساره، وكأنما يقول إن أفضل إجابة عن الإساءة هي ألّا تسمح لها بأن تغيّر وجهتك.

«مقهى الفنون»… حيث تلتقي الثقافة بالصداقة

ولأن شخصية الحبيب جغام لا تختزلها الاستوديوهات والميكروفونات، فإن لها وجهًا آخر أكثر حميمية، يتجلى في جلساته مع الأصدقاء والخلان في «مقهى الفنون» بالمنزه السابع.

هناك، بعيدًا عن الأضواء الرسمية، يستعيد الرجل عفويته، وتلتقي الثقافة بالصداقة، وتتحول الجلسات إلى فسحة من النقاشات والمشاكسات النظيفة والذكريات والضحكات.

في ذلك الفضاء، لا يحتاج الحبيب جغام إلى ميكروفون ليكون حاضرًا، ولا إلى مقدمة تعريفية كي يفرض شخصيته. تكفيه ثقافته، وروح الدعابة التي يتمتع بها، وقدرته على إدارة الحديث بين الجد والهزل، وبين العمق وخفة الظل.

إنها صورة أخرى للإعلامي الذي لم تبتلعه المهنة، ولم تحوّله سنوات العمل إلى شخصية رسمية جامدة. ظلّ قريبًا من أصدقائه، متصالحًا مع ذاته، محبًا للحياة، ومؤمنًا بأن الثقافة ليست ترفًا ذهنيًا، بل أسلوب عيش وطريقة في النظر إلى العالم.

وفي هذه الجلسات، كما في الإذاعة، تتجلى خصلة أساسية من خصاله: القدرة على الجمع بين المعرفة والإنسانية، وبين رصانة المثقف وعفوية الصديق.

الحبيب جغام… في زمن غبار التفاهة

في زمن تتكاثر فيه الأصوات، وتختلط فيه الشهرة بالقيمة، ويصبح الاستعراض أحيانًا أهم من المضمون، تزداد الحاجة إلى استعادة أسماء من طينة الحبيب جغام.

ليس لأن الماضي كان كاملًا، ولا لأن كل ما هو قديم يستحق التمجيد، بل لأن بعض التجارب تذكّرنا بأن الإعلام مهنة لها أصول، وأن الثقافة تحتاج إلى معرفة وصبر، وأن الصوت الجميل لا يكتمل إلا بفكر يحمله وذوق يهذّبه.

لقد تراكمت في المشهد الإعلامي مظاهر من الابتذال والاستسهال، وأصبح التمييز بين المحتوى العميق والمادة العابرة مهمة أكثر صعوبة. وفي خضم هذا التحول، تظلّ تجربة الحبيب جغام شاهدًا على قيمة التكوين الثقافي، وعلى أهمية احترام المستمع، وعلى أن الأناقة في الخطاب ليست ترفًا شكليًا، بل انعكاس لرؤية متكاملة للعمل الإعلامي.

إنه رجل من زمن جميل، لا بمعنى الحنين الأعمى إلى الماضي، بل بمعنى الوفاء لقيم مهنية وإنسانية لا ينبغي أن تشيخ: احترام الكلمة، والإخلاص للمهنة، والوفاء للأصدقاء، والتسامح مع من أساءوا، والقدرة على مواصلة الطريق دون ضجيج.

حبيب جغام… حبيب زمانه

في اسم الحبيب جغام مفارقة جميلة؛ فهو حبيب اسمه، وحبيب من عرفوه، وحبيب أثير رافق أجيالًا من التونسيين.

وإذا كان صوته قد ألفته الآذان، فإن حضوره الإنساني والثقافي يمنحه مساحة أوسع من مجرد الذاكرة الصوتية. فهو إعلامي لم تنفصل مهنته عن ثقافته، ولم تطغَ شهرته على إنسانيته، ولم تمنعه الخلافات من الحفاظ على قدر من التسامح والترفع.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن يقال في حقه أنه ظلّ وفيًا لذاته، لم يتخلّ عن طبعه، ولم يبدّل بوصلته إرضاءً لأحد. بقي عاشقًا للبحر، وفيًا للإذاعة، متيمًا بموسيقى مارسيل خليفة، ومخلصًا للكلمة التي آمن بها طوال مسيرته.

الحبيب جغام ليس مجرد كروان يطرب الأذن، بل هو أيضًا «حمّام» يبعث الدفء في الأثير، بصوته وسجعه وأسلوبه الذي يجمع بين رهافة الحسّ ورصانة العبارة.

إنه اسم كبير في الذاكرة الإعلامية التونسية، وشاهد على مرحلة كان فيها للصوت معنى، وللكلمة وزن، وللثقافة مكان.

وفي كل صباح جديد، حين يطلّ عبر أثير الإذاعة الوطنية، يبدو كأنه يعيد إلينا شيئًا من أنفسنا، ويذكّرنا بأن بعض الأصوات لا تعبر الزمن فحسب، بل تصبح جزءًا منه.

الحبيب جغام… رجل لا يشبه إلا نفسه، وصوت من الزمن الجميل، وحضور يؤكد أن الأصالة لا تحتاج إلى ضجيج كي تبقى، وأن الكبار لا تقاس قيمتهم بما يقولونه عن أنفسهم، بل بما يتركونه في ذاكرة الناس.

عزيز بن جميع