تنظّم جمعية المسعف الصغير يوم 11 جانفي الجاري بفضاء المسرح البلدي بتونس العاصمة فعاليات الدورة الرابعة من مهرجان «قرطاج تعانق الطفولة»، تحت شعار جامع وعميق: «طفولة واحدة… مهما تغيّر الزمن»، في تظاهرة تؤكد مرة أخرى أن قضايا الطفولة ليست هامشية، بل في صميم المشروع الثقافي والتربوي الوطني.
ولم يكن اختيار فضاء المسرح البلدي اعتباطيًا، بل جاء استحضارًا لرمزيته التاريخية والثقافية، ورسالة واضحة مفادها أن الطفولة تستحق أعرق المنابر، وأن الانشغال بها لا يقل قيمة عن أكبر القضايا الفكرية والإبداعية.
وسيكون جمهور المهرجان على موعد مع عرض مسرحي بيداغوجي ضخم بعنوان «رؤية الطفولة بين 1950 و2050»، وهو عمل فني يُعد من أجرأ وأهم العروض الموجّهة للطفل في المشهد الثقافي التونسي. ويتميّز هذا العرض بمشاركة أكثر من 400 طفل تونسي قدموا من مختلف جهات البلاد، ليجتمعوا على ركح واحد في لوحة إنسانية جامعة تعكس وحدة الطفولة التونسية وتنوّعها، بعيدًا عن الفوارق الجغرافية والاجتماعية.
هذا الحضور الكثيف لا يُختزل في رقم، بل يمثل فعلًا تربويًا بامتياز، يرسّخ قيم المشاركة والانتماء والعمل الجماعي، ويمنح الطفل موقع الفاعل لا المتفرّج. فالعمل لا يقدّم استعراضًا زمنيًا فحسب، بل يطرح مشروعًا فكريًا وتربويًا عميقًا، يفتح أسئلة جوهرية حول مسار الطفولة في عالم متغيّر، من بساطة خمسينات القرن الماضي، إلى تحوّلات التسعينات، وصولًا إلى تحديات الحاضر وآفاق المستقبل.
ومن خلال مقاربة ذكية، يُبرز العرض حجم التغيّرات دون التفريط في الثوابت الإنسانية، حاملاً رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار في الطفولة هو الأساس الحقيقي للتنمية، وأن التوازن بين الأصالة والتكنولوجيا ضرورة حتى لا يتحوّل التقدّم إلى قطيعة مع القيم.
وفي لحظة ختام مؤثرة، تختصر الطفولة رسالتها في جملة واحدة تتردّد في أرجاء المسرح البلدي:
«أنا الطفولة… الماضي يحكيني، والحاضر يختبرني، والمستقبل ينتظرني»،
وهي صرخة فنية واعية تنبع من أفواه الأطفال، لكنها موجّهة إلى الكبار وصنّاع القرار والمجتمع بأسره، لتؤكد أن الطفولة ليست مرحلة عابرة بل قضية وطن، وأن حمايتها مسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل.
وجدير بالذكر أن جمعية المسعف الصغير ستنظّم، في إطار أنشطتها الموازية، يومي 24 و25 جانفي الجاري بأحد نزل مدينة الحمّامات، تربصًا تكوينيًا متميّزًا بعنوان «منك نتعلّم»، يندرج ضمن الدورات التكوينية الهادفة في مجال الطفولة. ويركّز هذا التربص على تنمية المشاعر والانفعالات لدى طفل الروضة من خلال الإيقاع والحركة، تحت تأطير نخبة من المختصّين، وهم الخبيرة فاطمة ستهم، والأستاذ البيداغوجي هشام الطاهري، والرائد في الإيقاظ الموسيقي محمد الخامس الطرودي.
هكذا، يواصل مهرجان «قرطاج تعانق الطفولة» ترسيخ قناعته بأن الطفولة واحدة مهما تغيّر الزمن، وأن من يحسن رعايتها اليوم يكتب مستقبل الغد بحبر الوعي والإنسانية.
منصف كريمي



