اختر لغتك

"الغول" محسن بولعراس.. حين يهزم الفن وجع الفقدان ويعود أقوى من الغياب

"الغول" محسن بولعراس.. حين يهزم الفن وجع الفقدان ويعود أقوى من الغياب

"الغول" محسن بولعراس.. حين يهزم الفن وجع الفقدان ويعود أقوى من الغياب

رصد: عزيز بن جميع

في عالم الفن، هناك نجوم يلمعون لفترة ثم يخفت بريقهم مع أول عاصفة، وهناك قلة نادرة تتحول مع الزمن إلى ظواهر استثنائية يصعب تكرارها. ومن هذه الفئة يبرز الفنان القدير محسن بولعراس، الذي لم يمنحه الجمهور لقب "الغول" من فراغ، بل لأن مسيرته الطويلة أثبتت أنه واحد من أولئك الفنانين القادرين على الوقوف من جديد كلما ظن الجميع أن التعب أو الحزن قد أرهقه.

بعد رحيل شقيقه، عاش محسن بولعراس واحدة من أصعب المحطات الإنسانية في حياته. فالفقدان ليس خبراً عابراً في حياة الإنسان، بل زلزال عاطفي يهز الروح من الداخل ويترك فراغاً لا تملؤه الكلمات. وكان طبيعياً أن يختار الابتعاد لبعض الوقت، وأن يمنح نفسه فرصة لمواجهة الحزن بعيداً عن صخب الأضواء.

لكن "الغول" لا يعرف الاستسلام

عاد بولعراس إلى الساحة الفنية كما عرفه جمهوره دائماً: شامخاً، صلباً، ومؤمناً بأن الفن الحقيقي لا يتوقف عند حدود الألم. عاد ليؤكد أن المبدعين الكبار لا تقاس قوتهم بعدد الأعمال التي ينجزونها فقط، بل بقدرتهم على تحويل الجراح الشخصية إلى طاقة إبداعية تمنح الحياة معنى جديداً.

الغول الذي يحترم عقل المشاهد

في زمن أصبحت فيه الكوميديا في كثير من الأحيان رهينة الإثارة السطحية والضحك السريع، يواصل محسن بولعراس السير في طريق مختلف. فهو لا يبحث عن الضحكة العابرة، بل عن الضحكة التي تحمل فكرة، وعن الابتسامة التي تفتح باب التأمل في واقع المجتمع.

أعماله الجديدة جاءت امتداداً لهذا التوجه، حيث يزاوج بين النقد الاجتماعي الذكي والسخرية الراقية، مقدماً فناً يحترم المتلقي ويمنحه مساحة للتفكير قبل التصفيق.

إنه ذلك النوع من الفنانين الذين يستطيعون أن ينتزعوا الضحكة من قلب المشاهد، ثم يتركون في ذهنه سؤالاً أو رسالة أو موقفاً يستمر أثره طويلاً بعد نهاية العرض.

من رحم الألم يولد الإبداع

ما يميز محسن بولعراس ليس فقط موهبته الكبيرة، بل تلك القدرة النادرة على الانتصار على الظروف. فبينما يختار البعض الانسحاب أمام قسوة الحياة، يختار هو المواجهة، وكأن الفن بالنسبة إليه ليس مهنة فحسب، بل أسلوب حياة ومقاومة.

ولعل هذه العودة بعد تجربة الفقدان تؤكد مرة أخرى أن لقب "الغول" لم يكن مجرد وصف عابر، بل شهادة جماهيرية لفنان استطاع أن يحافظ على مكانته وعلى حب الناس له عبر السنوات، بفضل صدقه الفني وقربه من نبض الشارع التونسي.

قيمة فنية لا تتكرر

الساحة الفنية التونسية اليوم بحاجة إلى أسماء من حجم محسن بولعراس، لأنها تمثل مدرسة قائمة بذاتها في الالتزام والجدية واحترام الجمهور. فالرجل لم يبنِ مجده على الضجيج الإعلامي أو الإثارة المجانية، بل على رصيد طويل من الأعمال التي صنعت الابتسامة ولامست وجدان الناس.

إن عودة "الغول" محسن بولعراس ليست مجرد عودة فنان إلى النشاط، بل هي عودة روح من أرواح الكوميديا التونسية الأصيلة، وتذكير بأن الفنان الحقيقي قد يتألم، وقد يحزن، لكنه لا يغيب طويلاً عن جمهوره.

مرحباً بعودة "الغول"... فالساحة الفنية تستعيد واحداً من أكثر أبنائها قدرة على تحويل الألم إلى إبداع، والغياب إلى حضور أقوى من أي وقت مضى.

أحدث فيديو

احدث فيديو

آخر الأخبار

وفاء جمال… حنجرة ذهبية تعيد مجد الطرب وتُتوَّج ببطاقة الاحتراف الفني

وفاء جمال… حنجرة ذهبية تعيد مجد الطرب وتُتوَّج ببطاقة الاحتراف الفني

ضربة أمنية نوعية… تفكيك شبكتين دوليتين خطيرتين وتوقيف 25 شخصًا في قضايا مخدرات وتبييض أموال

ضربة أمنية نوعية… تفكيك شبكتين دوليتين خطيرتين وتوقيف 25 شخصًا في قضايا مخدرات وتبييض أموال

براءة اختراع عالمية… عدنان حداد يعيد صياغة مستقبل البناء بـ«الايكولوجي» وسويسرا تطرق باب الشراكة

براءة اختراع عالمية… عدنان حداد يعيد صياغة مستقبل البناء بـ«الايكولوجي» وسويسرا تطرق باب الشراكة

صوت الحنين وإبداع الأثير… قراءة في التجربة الإذاعية لهبة الوصيف

صوت الحنين وإبداع الأثير… قراءة في التجربة الإذاعية لهبة الوصيف

أروى بن عبد السلام… أيقونة الإعلام التونسي بين جاذبية الحضور وصرامة الاحتراف

أروى بن عبد السلام… أيقونة الإعلام التونسي بين جاذبية الحضور وصرامة الاحتراف

Please publish modules in offcanvas position.