في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتراجع فيه الذاكرة أحيانًا أمام ضجيج الحاضر، يختار الكاتب الزين العبيدي العودة إلى التاريخ، لا بوصفه صفحات مطوية في الكتب، بل باعتباره حكايات إنسانية تستحق أن تُروى، وأصواتًا لا ينبغي أن تغيب في عتمة النسيان.
كشف العبيدي عن إتمامه، منذ مدة قصيرة، كتابة مسلسل إذاعي عن المناضل الطيب الزلّاق، في مشروع يحمل رهانًا ثقافيًا وتوثيقيًا يتمثل في إعادة تسليط الضوء على سيرة رجل من رجال النضال، ومنح حكايته فرصة جديدة للوصول إلى الجمهور عبر الأثير.
وكتب العبيدي معلنًا عن هذا العمل: «هي محاولة لانتشال سيرة رجل من عتمة النسيان وإعادة صوتها إلى الأثير»، معربًا عن أمله في أن يرى المسلسل النور قريبًا، ومؤكدًا أن التاريخ لا يكتمل إلا بالإنصات إلى أصوات الذين صنعوه.
الطيب الزلّاق.. سيرة تنتظر العودة إلى الذاكرة
لا تبدو مبادرة الزين العبيدي مجرد تجربة في الكتابة الدرامية، بل هي محاولة لفتح نافذة على سيرة المناضل الطيب الزلّاق، وإعادة طرح سؤال أساسي: كيف يمكن أن تستعيد الشخصيات التي صنعت جانبًا من تاريخ البلاد مكانتها في الذاكرة الجماعية، خصوصًا عندما لا تحظى بما يكفي من الحضور في التداول الثقافي والإعلامي؟
فالتاريخ لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، ولا تختزله التواريخ والأسماء الواردة في الوثائق؛ بل تصنعه أيضًا تجارب الأفراد، ومواقفهم، وتضحياتهم، والظروف التي عاشوا فيها، والاختيارات التي اتخذوها في لحظات فارقة.
ومن هنا تكتسب الكتابة عن المناضلين أهمية تتجاوز استعادة الماضي، لتصبح وسيلة لفهم السياقات التي تشكّلت فيها المواقف الوطنية، والتعرّف على المسارات الإنسانية التي تقف خلف الأسماء التي تركت أثرًا في تاريخ البلاد.
ومع ذلك، فإن إعادة الاعتبار لأي شخصية تاريخية تظل مرتبطة بضرورة التوثيق الدقيق، والعودة إلى المصادر والشهادات المتاحة، حتى تلتقي القيمة الفنية للعمل مع احترام الحقيقة التاريخية.
الدراما الإذاعية.. حين تتحول الذاكرة إلى صوت
اختيار الإذاعة وسيطًا لتقديم سيرة الطيب الزلّاق يمنح المشروع خصوصية فنية لافتة. فالمسلسل الإذاعي لا يعتمد على الصورة بقدر ما يستند إلى قوة الكلمة، وأداء الممثلين، والموسيقى، والمؤثرات الصوتية، والقدرة على بناء الشخصيات والأحداث في مخيلة المستمع.
وفي هذا الفضاء، يمكن للصوت أن يستعيد أجواء مرحلة تاريخية، وأن ينقل مشاعر الشخصيات وتوتراتها، وأن يجعل المستمع شريكًا في تخيّل الأحداث واستحضار تفاصيلها. فالصوت، حين يُوظّف بوعي فني، لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يمنحها حياة جديدة.
كما تتيح الدراما الإذاعية الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور، وتمنح التاريخ فرصة للخروج من دائرة القراءات المتخصصة إلى فضاء أوسع، حيث يمكن أن تتحول السيرة النضالية إلى تجربة إنسانية قريبة من المستمع، تجمع بين المعرفة والتأثر والمتعة الفنية.
لكن نجاح هذا الرهان يظل رهين جودة النص، وعمق المعالجة الدرامية، ودقة التفاصيل التاريخية، إلى جانب الأداء والإخراج والإنتاج، وهي العناصر التي تمنح العمل قدرته على تجاوز حدود المناسبة العابرة والاستقرار في ذاكرة الجمهور.
من الكتابة إلى البث.. رحلة أخرى في انتظار العمل
إعلان الزين العبيدي عن إتمام كتابة المسلسل يمثل خطوة أولى في مسار تحويل المشروع من نص مكتوب إلى عمل إذاعي يصل إلى المستمعين. وقد عبّر الكاتب عن أمله في أن يرى المسلسل النور قريبًا، من دون الإعلان، في التصريح المتاح، عن موعد محدد للبث أو عن تفاصيل فريق الإنتاج والمشاركة الفنية.
ويظل وصول العمل إلى الجمهور خطوة أساسية حتى تتحقق الغاية التي أعلن عنها صاحبه: إعادة صوت سيرة المناضل الطيب الزلّاق إلى الأثير، وفتح المجال أمام التعرف إلى مساره وموقعه في الذاكرة الوطنية.
كما يمكن لمثل هذه المشاريع أن تشجع على مزيد من الاهتمام بالكتابة الدرامية المستلهمة من التاريخ التونسي، وأن تدفع المؤسسات الإعلامية والثقافية إلى البحث عن سير أخرى لم تنل نصيبها من التوثيق أو المعالجة الفنية.
فالثقافة لا تقتصر على إنتاج أعمال جديدة، بل تشمل أيضًا إعادة اكتشاف ما يستحق أن يبقى حيًا من تجارب الماضي، وتقديمه للأجيال الجديدة في قوالب قادرة على مخاطبة وجدانها وعقلها معًا.
التاريخ لا يكتمل بالصمت
في جوهره، يطرح مشروع الزين العبيدي مسألة تتجاوز سيرة شخص بعينه، لتلامس علاقة المجتمع بذاكرته، ومدى قدرته على صون تجارب رجاله ونسائه، وإبقاء الأسئلة التاريخية مفتوحة أمام البحث والقراءة والنقاش.
فاستعادة سيرة مناضل ليست مجرد عودة إلى الوراء، بل هي محاولة لفهم الحاضر من خلال جذوره، وإدراك أن الذاكرة الوطنية لا تتكون من الأسماء الأكثر تداولًا وحدها، وإنما من مجموع التجارب التي أسهمت، بدرجات مختلفة، في تشكيل مسار البلاد.
ومن هذا المنطلق، يحمل المسلسل الإذاعي الذي أنجزه العبيدي وعدًا ثقافيًا يستحق المتابعة، في انتظار أن تتضح تفاصيل إنتاجه وموعد بثه، وأن تتاح للمستمعين فرصة اكتشاف العمل والحكم على قيمته الفنية والتاريخية.
فحين يختار كاتب أن يعيد سيرة مناضل إلى الأثير، فإنه لا يكتب عن رجل من الماضي فحسب، بل يساهم في طرح سؤال الحاضر عن الذاكرة والوفاء والحق في استعادة الحكايات التي تستحق أن تُروى.
وإذا تحقق هذا المشروع ووصل إلى جمهوره، فقد يكون خطوة في اتجاه أوسع: أن تتحول الدراما الإذاعية إلى مساحة حية لصون الذاكرة التونسية، وأن تستعيد أصوات الذين صنعوا التاريخ مكانها بين أصوات الحاضر.
وكما عبّر الزين العبيدي في كلماته، فإن التاريخ لا يكتمل إلا حين ننصت إلى أصوات الذين صنعوه؛ وهي دعوة إلى ألا تبقى السير النضالية حبيسة النسيان، بل أن تجد طريقها إلى الكتابة والفن والأثير.


