كان قاع نهر سافانا يخفي منذ قرابة ربع ألف عام فصلًا من تاريخ حرب الاستقلال الأمريكية، إلى أن كشفت أعمال تجريف حديثة عن اكتشاف أثري استثنائي تمثل في 19 مدفعًا يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر، بينها 14 مدفعًا كانت لا تزال تحتوي على ذخيرة ومواد إطلاق داخلها.
المفاجأة لم تكن في العثور على المدافع وحدها، بل في الحالة التي بقيت عليها بعض القطع. فقد كشف الفحص عن سدادات خشبية وحشوات ورقية وبارود وقذائف مدفعية ظلت عالقة داخل تجاويفها منذ أن استقرت السفن في قاع النهر خلال أحداث حرب الاستقلال.
أسلحة غارقة لمنع الأسطول الفرنسي
تعود قصة هذه المدافع إلى سبتمبر 1779، عندما كانت القوات البريطانية تسيطر على مدينة سافانا.
وفي محاولة لمنع الأسطول الفرنسي، الذي وصل لدعم القوات الأمريكية، من استخدام الممر المائي والوصول إلى المدينة، أُغرقت سفن في النهر بهدف عرقلة حركة الأسطول المعادي.
وتشير السجلات التاريخية إلى أن بعض السفن غرقت بسرعة، وهو ما يفسر بقاء الأسلحة والمؤن وغيرها من المعدات على متنها بدل إنقاذها قبل وصولها إلى القاع.
ويرجح علماء الآثار أن المدافع المكتشفة جاءت من سفينتين بريطانيتين، هما «سافانا» و«فينوس»، إضافة إلى سفن أخرى كانت تستخدم لنقل الجنود.
اكتشاف بدأ بمدفع واحد
لم تبدأ القصة باكتشاف ضخم، بل بمدفع واحد ظهر خلال أعمال التجريف في فبراير 2021.
وكانت فرق العمل تنفذ مشروعًا هندسيًا هائلًا بلغت قيمته نحو 973 مليون دولار لتعميق قناة ملاحية تمتد لنحو 40 ميلًا.
وعثر العمال على المدفع في منطقة تعرف باسم «حفرة الخمسة قامات» بالقرب من حصن جاكسون القديم، قبل أن تقود عمليات البحث تحت الماء إلى اكتشاف المزيد.
وفي يناير 2022، عثر الغواصون على 12 مدفعًا إضافيًا، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 19 قطعة بحلول ربيع ذلك العام.
كما عُثر في الموقع على مراسٍ وطلقات نارية وشظية من جرس سفينة، ما عزز فرضية ارتباط الموقع بحطام سفن شاركت في أحداث عسكرية تعود إلى تلك المرحلة.
مدافع فرنسية الصنع.. وذخيرة لم تُستخدم
تختلف أحجام المدافع المكتشفة، إذ يبلغ طول أربعة منها على الأقل نحو 70 بوصة، ويرجح أنها صنعت في فرنسا، بينما يبلغ طول 15 قطعة أخرى قرابة 60 بوصة.
وقد صُبت جميعها في منتصف القرن الثامن عشر تقريبًا.
لكن أكثر ما أثار اهتمام خبراء الترميم كان ما وجدوه داخل بعض المدافع. فقد كشفت عمليات الفحص عن بقايا مكونات مرتبطة بعملية الإطلاق، بما في ذلك البارود والحشوات والقذائف.
وهذا يعني أن بعض هذه الأسلحة لم تغرق وهي فارغة، بل استقرت في القاع وهي لا تزال تحمل جزءًا من تجهيزها القتالي.
ثلاث سنوات لإعادة التاريخ إلى الحياة
خرجت المدافع من النهر مغطاة بطبقات كثيفة من الأصداف والكائنات البحرية، وكان الحفاظ عليها تحديًا بحد ذاته، لأن الحديد الذي بقي قرونًا في البيئة المائية يمكن أن يتعرض للتلف السريع بمجرد إخراجه من الماء.
وُضعت القطع في أحواض مائية للحفاظ عليها، ثم نُقلت 17 مدفعًا في فبراير 2023 إلى مختبر أبحاث الحفظ في جامعة تكساس إيه آند إم.
وهناك استخدم المرممون تقنية تعتمد على تيار كهربائي لسحب الأملاح من الحديد، إلى جانب إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد للمدافع، وتحليل تركيبتها المعدنية بالأشعة السينية، وفحص التجاويف الداخلية بحثًا عن بقايا تاريخية.
واستمرت عملية الحفظ أكثر من ثلاث سنوات، بتمويل بلغ نحو 325 ألف دولار.
من قاع النهر إلى المتحف
في 3 يونيو 2026، عادت المدافع إلى مدينة سافانا بعد انتهاء أعمال الترميم، قبل عرضها أمام الجمهور في 2 يوليو ضمن معرض «الموالون والحرية» في متحف سافانا التاريخي، بالتزامن مع الاحتفالات بمرور 250 عامًا على تأسيس الولايات المتحدة.
ويضم المعرض المدافع الـ17 التي خضعت لعمليات الحفظ، إلى جانب مدفعين تُركا في حالتهما الأصلية بعد انتشالهما، فضلاً عن أجزاء من مراسٍ ومواد ورقية عُثر عليها داخل أكياس خراطيش.
عندما يتحول التجريف إلى اكتشاف تاريخي
تكمن أهمية الاكتشاف في أنه لا يقدم مجرد مجموعة من الأسلحة القديمة، بل يقدم لقطة مادية محفوظة لحدث عسكري وقع قبل نحو 250 عامًا.
فالمدافع، والذخيرة، وبقايا السفن، وحتى طريقة غرقها، تساعد علماء الآثار على إعادة بناء تفاصيل لحظة من حرب الاستقلال الأمريكية كان جزء كبير منها معروفًا من الوثائق، لكنه أصبح الآن مدعومًا بأدلة بقيت محفوظة في قاع النهر.
ووصف مسؤولو جمعية التراث الساحلي الاكتشاف بأنه أكبر مجموعة من مدافع القرن الثامن عشر مرتبطة بحدث بحري واحد خلال حرب الاستقلال الأمريكية.
وبعد قرنين ونصف القرن تحت الماء، لم تعد هذه المدافع مجرد حطام صامت؛ فقد أصبحت شاهدًا معدنيًا نادرًا على حرب كانت تُرسم نتائجها فوق الأرض، بينما كانت بعض أسرارها تستقر في الظلام تحت سطح الماء.


