لم تكن مداخلة النائب طارق مهدي خلال جلسة الاستماع لوزير الداخلية، يوم 13 أفريل 2026، مجرّد محطة عابرة في النقاش البرلماني، بل تحوّلت إلى لحظة صادمة فجّرت موجة من الجدل، وأعادت طرح سؤال ملحّ حول حدود الخطاب السياسي ومسؤوليته.
المداخلة التي تناولت ملف المهاجرين غير النظاميين، انزلقت نحو منطقة بالغة الحساسية، عبر الإشارة إلى حادثة اغتصاب تعرّضت لها مهاجرة، في سياق اعتبره نشطاء وجمعيات توظيفًا صادمًا لقضية إنسانية خطيرة. ولم يتوقف الجدل عند مضمون الطرح، بل امتدّ إلى طريقة التعبير وما حملته من إيحاءات وُصفت بالمقلقة والمسيئة.
في هذا الإطار، عبّرت حملة ضد تجريم العمل المدني عن تضامنها المطلق مع الضحية، معتبرة أن ما حدث لا يمكن اختزاله في “زلّة لسان”، بل يعكس تراجعًا مقلقًا في مستوى الخطاب العام، خاصة حين يصدر عن جهة تشريعية يُفترض أن تحمي الحقوق لا أن تضعها موضع التهديد.
زلّة تُثير أسئلة أخلاقية
وقد زاد الجدل حدّةً بعد أن اعتبر عدد من المتابعين أن المداخلة تضمّنت زلّة لسان خطيرة، حملت إيحاءات صادمة تمسّ بصورة المرأة وتُقارب موضوع العنف الجنسي بخفّة لا تليق بخطورته. وذهب البعض إلى أنّ هذا النوع من الخطاب، حتى وإن ورد في سياق غير مقصود، قد يُفهم كتبرير ضمني أو تطبيع مع العنف، وهو ما يطرح إشكاليات أخلاقية عميقة حول مسؤولية الكلمة داخل الفضاء العام.
خطاب يُعيد إنتاج العنف
استحضار جريمة الاغتصاب خارج إطارها الحقوقي لا يسيء فقط إلى الضحايا، بل يُسهم في إعادة إنتاج العنف بشكل رمزي. فحين تتحوّل معاناة النساء إلى أداة في النقاش السياسي، تفقد الجريمة ثقلها، ويتراجع الوعي بخطورتها، وهو ما حذّرت منه عديد المنظمات الحقوقية.
هشاشة مضاعفة للنساء المهاجرات
النساء المهاجرات من إفريقيا جنوب الصحراء يعشن في تقاطع هشّ بين التمييز العنصري والعنف القائم على النوع الاجتماعي، ما يجعلهن أكثر عرضة للانتهاكات. وكان من المنتظر أن يسلّط الخطاب السياسي الضوء على هذه المعاناة بجدية، لا أن يضيف إليها عبئًا جديدًا من خلال تعابير غير محسوبة.
أزمة ثقة متفاقمة
مثل هذه التصريحات تُضعف ثقة الضحايا في المؤسسات، وتُغذّي الصمت بدل كسره. فحين يُستعمل الألم كوسيلة خطابية، يصبح الخوف من التبليغ أكبر، وتُقوّض جهود تحقيق العدالة.
بين حرية التعبير والمسؤولية
يبقى الفضاء البرلماني فضاءً للنقاش الحر، لكن هذه الحرية لا يمكن أن تنفصل عن المسؤولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بكرامة الإنسان. فالكلمة في هذا السياق ليست مجرد رأي، بل موقف قد يساهم في حماية الحقوق… أو المساس بها.
ما حدث يتجاوز حدود حادثة فردية، ليطرح مؤشرات مقلقة حول انزلاق الخطاب السياسي نحو الشعبوية، على حساب القيم الحقوقية.
في النهاية، تظلّ كرامة النساء—خاصة في وضعيات هشّة—خطًا أحمر، لا يجوز تجاوزه… مهما كانت السياقات أو المبررات.



