مع اقتراب العودة المدرسية في تونس، لا تستعد العائلات فقط لشراء الكتب والكراسات وترتيب المحافظ، بل تدخل مرة أخرى في سباق مع المصاريف المتراكمة. فبين أدوات مدرسية، وملابس، ونقل، ولمجة، ودروس خصوصية، ومصاريف الإيواء والمحاضن، تحولت العودة المدرسية من موعد سنوي عابر إلى اختبار مالي قاسٍ للقدرة الشرائية للعائلات.
المشكلة أن فاتورة المدرسة لا تبدأ من باب المكتبة ولا تنتهي عند شراء آخر كراس. إنها فاتورة تمتد على مدار السنة، وتدخل في منافسة مباشرة مع مصاريف أساسية أخرى: الغذاء، المحروقات، الماء والكهرباء، العلاج، والسكن.
وبحسب تقدير رئيس الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ رياض الزهروني، فإن كلفة المستلزمات الأساسية، وخاصة الكتب والكراسات المدعمة، لا تبدو في حد ذاتها مرهقة إلى درجة كبيرة، لكن الصورة تتغير جذريًا عند إضافة بقية المستلزمات، من المحافظ والأدوات الرياضية وغيرها، إذ يمكن أن تتراوح الكلفة بالنسبة للتلميذ الواحد بين 150 و800 دينار، وقد تتجاوز ذلك بحسب المستوى الدراسي.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للعودة المدرسية.
المحفظة ليست وحدها.. فاتورة كاملة تنتظر العائلة
قد يبدو مبلغ 150 دينارًا أو 800 دينار رقمًا منفصلًا إذا نظرنا إليه بمعزل عن بقية المصاريف، لكن العائلة التونسية لا تعيش خارج سياق اقتصادي يومي مثقل بالنفقات.
فالأب أو الأم لا يدفعان فقط ثمن المحفظة والكراسات والأقلام، وإنما يواجهان في الفترة نفسها مصاريف المعيشة اليومية، وفواتير الماء والكهرباء، والتنقل والمحروقات، إلى جانب التزامات أخرى لا تتوقف بمجرد انطلاق السنة الدراسية.
كلفة العودة المدرسية لا يمكن احتسابها منفصلة عن هذه المصاريف، وهو ما يحوّل سبتمبر بالنسبة إلى الكثير من الأسر إلى شهر شديد الضغط على الميزانية.
المدرسة تبدأ في سبتمبر، لكن فاتورتها لا تنتهي في سبتمبر.
فما إن تنطلق السنة الدراسية حتى تظهر نفقات جديدة: النقل، واللمجة اليومية، والدروس الخصوصية، والمبيتات والمحاضن المدرسية، وغيرها من المصاريف التي تتراكم تدريجيًا حتى نهاية السنة.
حين تصبح مجانية التعليم سؤالًا لا شعارًا
لطالما ارتبط التعليم العمومي في تونس بمبدأ مجانيته، باعتباره أحد أهم مكاسب الدولة الاجتماعية. لكن الواقع اليوم يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل يكفي أن تكون الدراسة مجانية داخل القسم حتى يكون التعليم مجانيًا فعليًا؟
الجواب الذي تقدمه تفاصيل الحياة اليومية للعائلة يبدو أكثر تعقيدًا.
فالأسرة قد لا تدفع معلوم دراسة في المدرسة العمومية، لكنها قد تدفع عشرات أو مئات الدنانير في الدروس الخصوصية، والنقل، والمستلزمات، واللمجة، والإيواء أو المحضنة، وغيرها من التكاليف التي ترافق المسار الدراسي.
ومن هنا يعتبر رياض الزهروني أن تراكم هذه النفقات أفرغ مبدأ مجانية التعليم من جزء من جوهره الفعلي.
المعادلة أصبحت واضحة: كلما تراجع دور المدرسة في توفير التحصيل المعرفي الكافي، زادت حاجة العائلة إلى شراء خدمات تعليمية خارجها.
الدروس الخصوصية.. المدرسة الثانية التي تدفع ثمنها العائلة
من أكثر الملفات حساسية في العودة المدرسية ملف الدروس الخصوصية.
فبالنسبة إلى عدد متزايد من العائلات، لم تعد الدروس الخصوصية خيارًا إضافيًا، بل أصبحت في نظر البعض ضرورة لضمان قدرة أبنائهم على مواكبة البرامج والنجاح في الامتحانات.
لكن هذه الضرورة المفترضة تضع الأسر أمام فاتورة أخرى قد تتواصل طوال السنة.
ويرى الزهروني أن المدرسة العمومية لم تعد قادرة، في وضعها الحالي، على تمكين المتعلم من التحصيل المعرفي الضروري، داعيًا إلى إصلاح تربوي يعيد للتعليم العمومي جودته ويجعل الفصل الدراسي قادرًا على أداء دوره الأساسي، حتى لا يصبح الدرس الخصوصي شرطًا للنجاح.
وهنا يتجاوز النقاش مسألة الأسعار ليصبح سؤالًا حول العدالة الاجتماعية: ماذا يفعل التلميذ الذي تستطيع عائلته دفع تكاليف الدروس الخصوصية، مقارنة بزميله الذي لا تسمح إمكانيات أسرته بذلك؟
السوق الموازية.. إغراء السعر وخطر المجهول
وفي مواجهة ارتفاع المصاريف، تبحث العائلات بطبيعة الحال عن بدائل أقل كلفة، وهو ما يجعل السوق الموازية أكثر إغراء، خصوصًا عندما تكون الفوارق في الأسعار محسوسة.
لكن نائب رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك ثريا التباسي تحذر من اقتناء المواد المدرسية من المسالك غير القانونية، مشيرة إلى مخاطر مرتبطة بجودة بعض المنتجات ومكوناتها، وداعية المستهلكين إلى اقتناء المستلزمات من المسالك القانونية.
كما تشدد على أهمية تمسك العائلات بحقها في الحصول على الكراس المدعم والأدوات المدرسية المدعمة، باعتبار ذلك وسيلة للحد من كلفة العودة في ظل تراكم النفقات.
وهذا الملف يضع الدولة أيضًا أمام مسؤولية مزدوجة: توفير المواد المدعمة بكميات كافية، وضمان وصولها فعلًا إلى التلميذ، لا أن تتحول عملية البحث عنها إلى رحلة جديدة داخل الأسواق.
بين الأسرة والمدرسة والدولة.. من يدفع الثمن؟
العودة المدرسية في تونس لم تعد مجرد موعد تربوي، وإنما أصبحت مرآة تعكس الوضع الاقتصادي والاجتماعي للعائلة.
فالعائلة ذات الدخل المحدود تجد نفسها مطالبة بتوفير المستلزمات نفسها التي يحتاجها أبناء الأسر الأكثر قدرة، في وقت لا تتساوى فيه الإمكانيات.
وتزداد الفجوة عندما تدخل الدروس الخصوصية والنقل والمبيت واللمجة في المعادلة. عندها لا يعود السؤال: كم ثمن المحفظة؟ بل يصبح: كم ستكلفني السنة الدراسية كاملة؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يحضر في أي نقاش جدي حول العودة المدرسية.
لأن تخفيف العبء لا يكون فقط عبر خفض سعر كراس أو توفير كتاب مدعم، وإنما عبر معالجة المنظومة بأكملها: جودة التعليم العمومي، النقل المدرسي، الدروس الخصوصية، المحاضن والمبيتات، الرقابة على الأسعار، وتوفير المستلزمات الأساسية في الوقت المناسب وبأسعار يمكن للعائلة تحملها.
سبتمبر.. شهر يكشف قدرة العائلة التونسية على الصمود
كل عام تتكرر الطقوس نفسها: طوابير أمام المكتبات، أولياء يقارنون الأسعار، أطفال يحلمون بمحافظ وملابس جديدة، وميزانيات أسرية تحاول أن تجعل الأرقام تتطابق مع الواقع.
لكن خلف هذه الصورة البسيطة تختبئ أزمة أعمق.
العودة المدرسية أصبحت امتحانًا للعائلة قبل أن تكون امتحانًا للتلميذ.
وفي الوقت الذي يُطلب فيه من التلميذ أن يعود إلى مقاعد الدراسة مستعدًا لبداية جديدة، يجد كثير من الأولياء أنفسهم أمام ورقة حساب طويلة، تبدأ بالمستلزمات ولا تنتهي بالدروس الخصوصية.
وبين شعار «التعليم العمومي المجاني» وواقع المصاريف اليومية، تبدو تونس اليوم أمام حاجة ملحّة إلى إعادة طرح السؤال من أساسه:
كيف نضمن أن يكون التعليم مجانيًا فعلًا، لا مجانيًا فقط داخل جدران المدرسة؟


