في زمنٍ باتت فيه الخوارزميات شريكًا يوميًا للباحثين، تحوّلت نقرة واحدة إلى نقطة فاصلة في مسار أكاديمي امتد لعامين. العالم مارسيل بوخر، أستاذ علوم النبات في University of Cologne، كشف في مقال بمجلة Nature تفاصيل فقدانه أرشيفًا كاملاً من المحادثات والمواد البحثية بعد تعديل إعدادات الخصوصية في تطبيق OpenAI.
من أداة مساعدة إلى ركيزة يومية
بوخر لم يكن يستخدم النموذج اللغوي لأغراض تجريبية عابرة، بل دمجه في صلب عمله الأكاديمي:
- صياغة رسائل البريد الإلكتروني
- تحليل ردود الطلبة
- مراجعة أوراق علمية
- تخطيط محاضرات
- إعداد طلبات منح
ورغم إدراكه أن النماذج اللغوية قد تُرتّب المعلومات بشكل مقنع دون ضمان دقة مطلقة، فإنه اعتبر البيئة الرقمية مستقرة بما يكفي للاعتماد عليها.
أغسطس 2025… اللحظة الفاصلة
في محاولة لاختبار خيار تعطيل مشاركة البيانات، قام بوخر بتفعيل إعداد خصوصية يوقف إرسال بياناته. النتيجة كانت صادمة: اختفاء جميع المحادثات نهائيًا، وتفريغ مجلدات المشروع بالكامل، دون تحذير مسبق أو خيار للاسترجاع.
محاولاته لاستعادة المحتوى عبر المتصفح أو إعادة تثبيت التطبيق فشلت، قبل أن يؤكد له الدعم الفني أن البيانات فُقدت نهائيًا نتيجة تفعيل ميزة الخصوصية. وبحسب موقع IFLScience، فإن الواقعة أثارت نقاشًا واسعًا حول إدارة البيانات في أدوات الذكاء الاصطناعي.
جدل أخلاقي… وتعاطف محدود
المفارقة أن القصة لم تحظَ بتعاطف واسع عبر الإنترنت. كثيرون اعتبروا أن الاعتماد المكثف على أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئة بحثية يحمل مخاطرة واضحة. الفيزيائية أنجيلا كولير علّقت بسخرية: “كيف يمكن الاعتماد على برنامج دردشة لإعداد طلبات المنح أو التدريس؟”
الانتقادات ركزت على نقطة جوهرية: هل تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى مستودع رئيسي للمعرفة الأكاديمية دون ضمانات كافية؟
ما الذي تكشفه الحادثة؟
تجربة بوخر تسلط الضوء على ثلاث قضايا محورية:
- ملكية البيانات: من يملك المحادثات والمحتوى المنتج عبر أدوات الذكاء الاصطناعي؟
- الأمان الرقمي: هل يفهم المستخدمون تمامًا تبعات إعدادات الخصوصية؟
- سياسات الاستخدام العلمي: هل تحتاج الجامعات إلى أطر تنظيمية أوضح؟
الدرس الأهم
القضية لا تتعلق بخطأ تقني فحسب، بل بثقافة رقمية جديدة لم تترسخ قواعدها بعد. الاحتفاظ بنسخ احتياطية مستقلة، وعدم الاعتماد على منصة واحدة كمخزن وحيد للأفكار، بات ضرورة لا خيارًا.
في عصرٍ تُختصر فيه سنوات من العمل في سجل محادثات، قد تكون أخطر الأخطاء هي تلك التي تبدو… مجرد إعداد صغير في قائمة الخصوصية.



