اكتشاف أثري في مصر.. مزارع يعثر على تمثالين ملكيين ضخمين وأحدهما قد يعود إلى رمسيس الثاني!

اكتشاف أثري في مصر.. مزارع يعثر على تمثالين ملكيين ضخمين وأحدهما قد يعود إلى رمسيس الثاني!

لم يكن مزارع مصري يتوقع أن تقوده أعماله اليومية أمام منزله إلى اكتشاف يفتح نافذة جديدة على تاريخ الفراعنة. ففي قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، قادت كتلة حجرية منقوشة عثر عليها إلى تدخل خبراء الآثار، الذين كشفوا عن أجزاء من تمثالين ملكيين ضخمين، يُرجّح أن أحدهما يعود إلى الفرعون رمسيس الثاني، أحد أبرز ملوك مصر القديمة.

وبحسب المعلومات الصادرة عن وزارة السياحة والآثار المصرية، بدأت الحكاية عندما أبلغ المزارع مفتشي الآثار المحليين بما عثر عليه، لتُجرى حفائر إنقاذ تهدف إلى توثيق القطع المكتشفة وحمايتها. وأسفرت الأعمال الأولية عن العثور على رأس تمثال ملكي ضخم، وأجزاء من تمثال ثانٍ، إلى جانب كتلة من الجرانيت الوردي تحمل نقوشًا هيروغليفية وألقابًا ملكية.

رأس حجري ضخم وتمثال يُقدّر ارتفاعه بـ8.5 أمتار

يتمثل أبرز عناصر الاكتشاف في رأس حجري يبلغ ارتفاعه نحو 1.6 متر، يظهر فيه الملك مرتديًا التاج المزدوج الذي يرمز إلى اتحاد مصر العليا والسفلى. كما يحمل الجزء الخلفي من التمثال نقشًا يتضمن أحد الألقاب الملكية المرتبطة بحورس، وهو ما يوفر قرائن تساعد على تحديد هوية صاحبه.

واستنادًا إلى أبعاد الرأس ونسب التماثيل الملكية، يُرجّح أن ارتفاع التمثال كاملًا كان سيبلغ نحو 8.5 أمتار، بما في ذلك القاعدة. غير أن هذا الرقم يظل تقديرًا افتراضيًا، في انتظار العثور على مزيد من الأجزاء التي تسمح بإعادة تصور حجمه الأصلي.

أما التمثال الثاني، فقد عُثر على جزء يبلغ طوله نحو 2.4 متر، تظهر عليه ملامح ملكية وغطاء الرأس المعروف باسم «النمس». ويرجّح المسؤولون أن يكون هو الآخر مرتبطًا برمسيس الثاني، لكن غياب نقش صريح يحمل اسم الملك يجعل تحديد هويته أقل يقينًا.

وعُثر بالقرب من التمثالين على كتلة من الجرانيت الوردي يبلغ طولها نحو 1.3 متر، تتضمن ألقابًا من بينها «ملك مصر العليا والسفلى» و«ابن رع». ويكتسب هذا العنصر أهمية إضافية بالنظر إلى استخدام الجرانيت في المنشآت الملكية والدينية الكبرى، ونقله من محاجر أسوان الواقعة في جنوب مصر إلى مواقع البناء في مناطق مختلفة من البلاد.

لغز تاريخي: ما علاقة تماثيل رمسيس الثاني بمعبد إيزيس؟

تنبع أهمية الاكتشاف أيضًا من موقعه في بهبيت الحجارة، المعروفة ببقايا معبد إيزيس الضخم، الذي يحمل اسم «الإيزيوم». ويعود الجزء الأكبر من هذا المعبد إلى فترة لاحقة لعهد رمسيس الثاني بنحو تسعة قرون، ما يطرح سؤالًا أثريًا مهمًا: كيف وصلت تماثيل يُرجّح أنها تعود إلى عصره إلى هذه المنطقة؟

شُيّد المعبد في مرحلة متأخرة من تاريخ مصر القديمة، ويرتبط جزء مهم من بنائه بعهد الملك نختنبو الثاني، الذي حكم بين عامي 360 و342 قبل الميلاد، قبل أن تتواصل أعمال البناء والتطوير خلال العصر البطلمي.

وقد تميّز المعبد باستخدام واسع للجرانيت، وهو ما منح بقاياه طابعًا معماريًا لافتًا. لكنه تعرض للانهيار والاندثار عبر العصور، ويرجّح أن زلزالًا أسهم في سقوط أجزاء منه، فيما نُقلت بعض كتل الأحجار المنقوشة إلى مواقع أخرى أو إلى مجموعات أثرية مختلفة.

ويفتح العثور على أجزاء من تماثيل ملكية أقدم من المعبد الباب أمام فرضيات متعددة، من بينها احتمال نقلها إلى الموقع وإعادة استخدامها في مرحلة لاحقة، أو ارتباطها بمنشآت أقدم في المنطقة. لكن لا يمكن حسم أي من هذه الاحتمالات قبل استكمال الحفائر وتحليل النقوش والسياق الأثري الذي عُثر فيه على القطع.

بهبيت الحجارة.. موقع أثري لا يزال يخفي أسراره

تقع بهبيت الحجارة التابعة لمركز سمنود بمحافظة الغربية في دلتا مصر، وتُعد من المواقع المهمة لدراسة عبادة الإلهة إيزيس وتطور العمارة الدينية في مصر القديمة. وتضم المنطقة بقايا معبد الإيزيوم، بما فيها كتل ضخمة من الجرانيت الوردي وعناصر معمارية ونقوش تعكس مهارات المصريين القدماء في نحت الأحجار الثقيلة ونقلها وتوظيفها في المنشآت الدينية.

ورغم ما أصاب المعبد من انهيار وتفكك، لا تزال أطلاله تحمل شواهد مهمة عن تاريخ الموقع ومكانته الدينية. وقد تساعد الاكتشافات الجديدة على فهم أفضل لكيفية انتقال القطع الأثرية وإعادة استخدامها عبر العصور، فضلًا عن توضيح العلاقة بين المعبد والمنشآت الملكية التي سبقته.

الحفائر مستمرة.. والهوية النهائية لم تُحسم بعد

تتواصل أعمال التنقيب والتوثيق بحثًا عن أجزاء إضافية قد تساعد على استكمال صورة التمثالين وتحديد هوية التمثال الثاني بصورة أكثر دقة. كما ينتظر الباحثون ما قد تكشفه النقوش والسياقات الأثرية عن تاريخ القطع ومسار وصولها إلى موقع الاكتشاف.

وبينما يرجّح أن يعود أحد التمثالين إلى رمسيس الثاني، يبقى التأكيد النهائي مرتبطًا بما ستسفر عنه الدراسات المتخصصة. فالقيمة الحقيقية لهذا الكشف لا تكمن فقط في حجم التماثيل، بل أيضًا في الأسئلة التاريخية التي يطرحها حول انتقال الآثار الملكية وإعادة توظيفها في مصر القديمة.

بدأت الحكاية بكتلة حجرية لفتت انتباه مزارع، لكنها تحولت إلى اكتشاف قد يضيف تفاصيل جديدة إلى تاريخ موقع أثري بارز في دلتا النيل. وفي أرض لا تزال تخفي تحت تربتها آثار حضارات متعاقبة، قد تقود ملاحظة عابرة إلى كشف يعيد فتح صفحات من الماضي لم تُقرأ بعد.