«قرية الصمت» في تونس.. حين تتحدث الأيدي وتُحاصر الأحلام خلف جدار التهميش!

«قرية الصمت» في تونس.. حين تتحدث الأيدي وتُحاصر الأحلام خلف جدار التهميش!

في أقصى الشمال الشرقي التونسي، حيث تتعانق الجبال مع البحر وتدور مراوح الرياح في الأفق، توجد قرية لا تُختصر حكايتها في الصمت، ولا يمكن فهم واقعها بمجرد النظر إلى أيدي سكانها وهي تتحرك لتقول ما تعجز الأصوات عن نقله. إنها برج الصالحي، التابعة لمعتمدية الهوارية من ولاية نابل، القرية التي اشتهرت إعلاميًا باسم «قرية الصمت»، بعدما أصبح التواصل بلغة الإشارات جزءًا من الحياة اليومية لعدد من عائلاتها.

لكن خلف هذه الصورة التي تثير الفضول، تختبئ حكاية أعمق من مجرد ظاهرة اجتماعية لافتة؛ حكاية تتداخل فيها الإعاقة السمعية، والروابط العائلية، وصعوبات العيش، والبطالة، والعزلة الجغرافية، وأسئلة مؤجلة عن حق السكان في التنمية والاندماج وتكافؤ الفرص.

لغة لا تحتاج إلى صوت

في برج الصالحي، لا تُقاس القدرة على التواصل بارتفاع الصوت، بل بمدى القدرة على فهم الآخر. فالإشارات وحركات اليدين وتعابير الوجه تمثل أدوات أساسية للتخاطب داخل عائلات تضم أشخاصًا صمًا، وقد طوّر بعض الأهالي أساليب محلية للتواصل يفهمها المحيط القريب أكثر مما يفهمها الغرباء.

وتشير تقارير صحفية سابقة إلى أن لغة الإشارات داخل القرية اكتسبت خصوصية بفعل انتشار الصمم بين عدد من أفراد العائلات وتكرار التواصل بينهم. وبمرور الوقت، أصبحت هذه الوسيلة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، من الحديث داخل المنزل إلى التعامل في الفضاءات العامة والعمل.

هنا، لا تبدو الإشارة مجرد بديل عن الكلام، بل لغة تحمل المشاعر والاحتياجات والاعتراضات والأحلام. فالأم تستطيع التواصل مع أبنائها، والزوج مع زوجته، والصديق مع صديقه، حتى إن لم يتقاسموا جميعًا اللغة الصوتية التي يستخدمها الآخرون.

ومع ذلك، من المهم التمييز بين لغة الإشارة التونسية المعروفة وبين الإشارات المحلية التي قد تتطور داخل مجموعة صغيرة. فالتقارير التي تناولت برج الصالحي تحدثت عن خصوصية في التواصل، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود لغة مستقلة مكتملة القواعد لدى جميع سكان المنطقة.

لماذا انتشر الصمم داخل بعض العائلات؟

يُعدّ الجانب الصحي من أكثر جوانب قصة برج الصالحي حساسية. فقد تناولت تقارير صحفية، انتشار حالات الصمم داخل عدد من العائلات، وتحدثت عن زواج الأقارب بوصفه أحد العوامل المحتملة وراء تكرار بعض الحالات الوراثية.

علميًا، يمكن لزواج الأقارب أن يزيد احتمال اجتماع نسختين من طفرة جينية متنحية لدى الزوجين، وهو ما قد يرفع خطر انتقال بعض الأمراض الوراثية إلى الأبناء، ومنها أنواع من فقدان السمع الخِلقي. لكن لا يمكن تفسير جميع حالات الصمم في منطقة بعينها بسبب واحد، ولا يصح تشخيص السكان جماعيًا من دون دراسات طبية ووراثية موثوقة.

كما أن الصمم لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على الكلام؛ فبعض الأشخاص الصم يتحدثون صوتيًا، بينما لا يكتسب آخرون الكلام المنطوق بالطريقة المعتادة، خصوصًا إذا حدث فقدان السمع قبل اكتساب اللغة.

وساهمت حملات التوعية الصحية وتشجيع الزواج خارج نطاق القرابة القريبة في الحد من تكرار بعض الحالات داخل المنطقة. غير أن تحديد حجم هذا التحسن اليوم، أو معرفة عدد الحالات الجديدة، يتطلب بيانات صحية حديثة لا توفرها التقارير القديمة وحدها.

والأهم أن التوعية الوراثية لا ينبغي أن تتحول إلى وصم اجتماعي للعائلات، بل يجب أن تقترن بإتاحة الاستشارات الطبية والفحوصات عند الحاجة، وضمان حق الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية في التعليم والعمل والحياة الكريمة.

البحر.. مورد رزق محدود وآمال واسعة

في قرية ساحلية مثل برج الصالحي، يبدو البحر أقرب إلى شريان اقتصادي منه إلى مجرد منظر طبيعي. وقد وصفت تقارير صحفية سابقة الصيد بأنه من أبرز مصادر الرزق لدى عدد من الأهالي، في ظل محدودية فرص التشغيل والصعوبات التي تواجه بعض الشباب في العثور على عمل يتناسب مع مهاراتهم وتكوينهم.

وتناولت شهادات منشورة معاناة أشخاص من الصم قالوا إنهم تعلموا مهنًا مختلفة، لكنهم اصطدموا بعوائق حالت دون اندماجهم في سوق الشغل، ما دفع بعضهم إلى الاعتماد على الصيد لتوفير حاجات أسرهم.

وهنا تتجاوز المشكلة حدود الإعاقة نفسها. فالشخص الأصم قادر على التعلم والتكوين والإنتاج، لكن غياب تهيئة أماكن العمل، ونقص وسائل التواصل المناسبة، وضعف فرص الانتداب، قد يحوّل اختلافًا في طريقة التواصل إلى حاجز أمام الاستقلال الاقتصادي.

إن توفير فرص العمل في مثل هذه المناطق لا يقتصر على إحداث مشاريع جديدة، بل يتطلب أيضًا فتح أبواب الانتداب أمام الأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير التكوين المهني، وتيسير النفاذ إلى التمويل، وإتاحة الخدمات العمومية بلغة يفهمها الجميع.

فليس من المقبول أن تتحول لغة الإشارة إلى سبب إضافي للإقصاء، بينما يفترض أن تكون وسيلة تضمن المشاركة والاستقلال.

العزلة ليست جغرافية فقط

تُظهر التقارير المنشورة عن برج الصالحي أن معاناة بعض سكانها لا تتعلق بالصمم وحده، بل تتصل كذلك بمحدودية المرافق والفرص، وصعوبات التنقل، والحاجة إلى تحسين البنية الأساسية والخدمات الاجتماعية.

وقد تبدو القرية قريبة نسبيًا من مناطق مأهولة، لكن المسافة الجغرافية لا تعكس دائمًا سهولة الوصول إلى الخدمات. فالتعليم والصحة والنقل والإدارة والتشغيل تحتاج جميعها إلى وسائل تواصل ملائمة وإلى خدمات يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة استخدامها باستقلالية.

وعندما يضطر شخص أصم إلى الاعتماد على أحد أقاربه لفهم وثيقة إدارية أو شرح أعراض مرضية أو متابعة إجراء قانوني، فإن المشكلة لا تكمن في إعاقته، بل في غياب الترتيبات التي تضمن له التواصل المباشر والآمن.

من هنا، يصبح توفير مترجمي لغة الإشارة في المؤسسات الصحية والإدارية، وتكوين الأعوان، وإتاحة المعلومات بصيغ مناسبة، خطوات عملية لا تقل أهمية عن البرامج الاجتماعية التقليدية.

ملف مراوح الرياح.. التنمية لمن، وعلى حساب من؟

ولا تنفصل قصة برج الصالحي عن الجدل الذي شهدته المنطقة بشأن مشاريع إنتاج الطاقة من الرياح. فقد تناولت تقارير صحفية وبيانات صادرة عن نشطاء ومنظمات من المجتمع المدني احتجاجات أهالٍ على أوضاع الأراضي والانتظارات التنموية المرتبطة بمشاريع الطاقة، كما طُرحت مطالب بشأن التشغيل وتحسين البنية الأساسية والظروف المعيشية.

وتظل هذه المسائل بحاجة إلى عرض متوازن يميز بين الوقائع المثبتة، وشهادات السكان، والاتهامات التي تتطلب وثائق وردودًا من الجهات المعنية. فمشاريع الطاقة المتجددة تمثل خيارًا مهمًا في مسار الانتقال الطاقي، لكن نجاحها لا يُقاس بالإنتاج وحده، بل أيضًا بمدى احترام حقوق أصحاب الأراضي، وشفافية التعاقدات، والالتزام بالتعهدات، وحماية البيئة، وضمان استفادة المجتمعات المحلية.

والسؤال الذي تطرحه تجربة برج الصالحي هنا يتجاوز المشروع بعينه: كيف يمكن الحديث عن تنمية مستدامة إذا ظل جزء من السكان يشعر بأن نصيبه من فرص التشغيل والخدمات محدود، أو أن صوته لا يصل إلى الجهات التي تتخذ القرارات؟

إن الإنصاف يقتضي الاستماع إلى الأهالي، وفحص الشكاوى والوثائق، ونشر المعطيات المتعلقة بالالتزامات والانتفاعات، بدل الاكتفاء بصور المراوح وهي تدور في مهب الريح.

من «قرية الصمت» إلى قرية الحقوق

ربما يكون وصف «قرية الصمت» هو الأكثر انتشارًا في وسائل الإعلام، لكنه لا يختزل هوية برج الصالحي، ولا يعبّر عن جميع سكانها. فالقرية ليست مجرد ظاهرة صحية، وأهلها ليسوا موضوعًا للفرجة أو مادة للغرابة؛ إنهم مواطنون لهم كفاءاتهم وعائلاتهم وطموحاتهم وحقهم في أن تُروى قصتهم من دون شفقة أو أحكام مسبقة.

إن التقرير عن برج الصالحي لا ينبغي أن ينتهي عند السؤال عن كيفية تواصل سكانها، بل عند سؤال أكثر إلحاحًا: هل تتوفر لهم الشروط التي تسمح لهم بالتعلم والعمل والعلاج والمشاركة في الحياة العامة على قدم المساواة؟

الإجابة لا تحتاج إلى حملات تعاطف عابرة، بل إلى متابعة ميدانية حديثة، وبيانات صحية واجتماعية دقيقة، وخدمات عمومية مهيأة، وفرص تشغيل حقيقية، وحوار جدي بين السكان والسلطات والهياكل المعنية.

في برج الصالحي، قد تتحرك الأيدي لتصنع الكلمات، لكن حقوق الناس لا ينبغي أن تبقى معلقة في الهواء. فالمطلوب ليس أن يتعلم العالم كله لغة القرية فحسب، بل أن تتعلم المؤسسات كيف تنصت إلى سكانها، وأن تترجم مطالبهم إلى سياسات وفرص وحقوق ملموسة.