بقلم: عزيز بن جميع
في زمن تآكلت فيه الحدود بين الخبرة والسطحية، وبين الركح المقدّس وصخب الشوارع، تظهر المفارقة المرة حين يجرؤ من لا يملك من الفن سوى ضجيج وهمي، على مجابهة قامات حقيقية تركت بصمتها في التاريخ. آخر مثال على هذا التحدي جاء على يد "معز دينيز"، الذي حاول التطاول على الأستاذ منير المهدي، رائد الموشحات والمقامات العربية الأصيلة.
حرمة الركح بين التراث والسطح
الركح، ذلك الفضاء الذي لا يلجأ إليه إلا من أحاط نفسه بالموهبة وأمانة الفن، صار اليوم عرضة لمحاولات يائسة من نكرات لا تعرف أبجديات السلم الموسيقي. "دينيز"، بصوته المرتعش والنشاز الظاهر في مقاطعه، حاول تحدي قامة فنية معترف بها عربياً، لكنها مجرد خطوة في مسار يفتقر لأي أساس من الإبداع. هذا التحدي ليس سوى صورة مصغرة لـ"زمن التفاهة"، حيث يحل الصراخ محل الغناء، والجدل محل الفن الحقيقي.
منير المهدي: شموخ الموشح في مواجهة الريح
يقف منير المهدي شامخاً، كجبل لا تهزه الرياح، محتفظاً بموشحاته وأدائه الرصين الذي يمثل ذاكرة فنية متينة. أي مقارنة بين إرثه الطويل ومحاولات بائسة من نكرة يصطدمون فقط بصدى "التريند"، هي إهانة للذوق العام قبل أن تكون مساساً بشخصه. الفن هنا ليس مجرد حضور، بل هيبة، علم، وأخلاق.
حتمية التاريخ: البقاء للأصل
مهما علا صوت النشاز، ومهما حاول صغار الطموح تسلق قلاع الإبداع بلا أساس، يبقى القانون الوجودي للفن ثابتاً: يبقى للأصل، وينتهي للسطح ما هو هش. هذا المشهد الفني المضطرب اليوم يشبه مخاضاً سينتج حتماً عن بقاء النغم الصافي والكلمة الصادقة، تماماً كما ذكّرنا القرآن الكريم:
"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ"
في النهاية، مهما حاول البعض الصعود على أكتاف الآخرين، يبقى التاريخ منصفاً للموهبة الحقيقية، والركح صرحاً لا يُخترق إلا بالصدق الفني والالتزام بالمقام.



