بين عودة مهرجان الجاز الدولي بطبرقة إلى الواجهة كحدث ثقافي ينتظره عشّاق الموسيقى، وبين الضبابية التي تحيط بكواليس تنظيمه، تتصاعد موجة من التساؤلات في الأوساط الثقافية والإعلامية حول طريقة إدارة هذه التظاهرة العريقة التي تحتفل هذه السنة بخمسين عاماً من الوجود.
ففي الوقت الذي تم فيه الكشف عن برنامج الدورة العشرين، لفت غياب الندوة الصحفية الرسمية التي تُعد تقليدًا أساسياً في تقديم المهرجانات الكبرى، حيث يتم عادة عرض الرؤية الفنية والإجابة عن أسئلة الإعلام وتوضيح الخيارات التنظيمية. هذا الغياب اعتبره متابعون مؤشراً على خلل في سياسة التواصل، أو على الأقل خياراً يفتقر إلى التفسير.
وتتجه الأنظار اليوم إلى سؤال محوري لا يزال دون إجابة واضحة: من يدير فعلياً مهرجان الجاز بطبرقة؟ فإلى حد الآن، لم يتم تقديم تركيبة الهيئة المديرة للرأي العام، ولم تُكشف آليات اتخاذ القرار المتعلقة بالبرمجة الفنية أو المعايير التي تم اعتمادها لاختيار العروض والفنانين.
هذا الغموض يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بمدى احترام مبادئ الحوكمة في إدارة تظاهرة ذات بعد دولي، خاصة وأنها تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على دعم مؤسسات عمومية، ما يجعل حق النفاذ إلى المعلومة جزءاً أساسياً من النقاش.
كما يثير عدد من المتابعين علامات استفهام حول ما إذا كانت القرارات الكبرى المتعلقة بالمهرجان تُتخذ داخل هياكل واضحة ومعلنة، أم أنها تمر عبر دوائر ضيقة غير معلنة للرأي العام، في غياب أي توضيحات رسمية أو تواصل مباشر يبدد الغموض.
ولا ينفصل هذا الجدل عن سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بالشفافية المالية، إذ يظل حجم الميزانية المرصودة لهذه الدورة، ومصادر تمويلها، وطريقة صرفها، خارج دائرة التوضيح الرسمي، في وقت يُفترض فيه أن تكون مثل هذه التظاهرات نموذجاً في الانفتاح والوضوح.
وفي ظل هذا المشهد، يجد مهرجان الجاز بطبرقة نفسه بين صورتين متناقضتين: صورة فنية مشرقة تعكس برمجة عالمية واحتفالية بخمسينية حدث ثقافي عريق، وصورة إدارية غامضة تطرح أكثر مما تجيب، وتترك المجال مفتوحاً أمام التأويلات.
ويبقى السؤال الأهم مطروحاً بإلحاح: هل ينجح المهرجان في استعادة بريقه الفني فقط، أم أنه بحاجة أيضاً إلى استعادة ثقة الجمهور عبر وضوح في التسيير وشفافية في القرار، توازي قيمة تاريخه وسمعته الدولية؟



