لم يكن تتويج النادي الإفريقي ببطولة تونس لموسم 2025-2026 مجرد إنجاز رياضي عابر، بل كان قصة عودة تاريخية لفريق خرج من قلب الأزمات ليعتلي منصة المجد من جديد، بعد سنوات طويلة من المعاناة المالية والإدارية والرياضية.
فريق باب الجديد، الذي عاش كوابيس الديون وعقوبات المنع من الانتداب والنزاعات المتتالية، نجح هذا الموسم في كتابة واحدة من أقوى قصص “الانبعاث” في تاريخ الكرة التونسية، ليؤكد أن الأندية الكبيرة قد تمرض… لكنها لا تموت.
هيئة أعادت بناء النادي
أحد أهم أسرار نجاح الإفريقي هذا الموسم كان العمل الإداري الهادئ والواقعي، حيث نجحت الهيئة المديرة في إعادة الاستقرار المالي والإداري والفني للنادي، وغلق ملفات ثقيلة أنهكت الفريق لسنوات.
الإدارة اختارت هذه المرة سياسة مختلفة، بعيدة عن الانتدابات العشوائية والأسماء البراقة، واعتمدت على تعاقدات مدروسة وفق الإمكانيات المادية الحقيقية للنادي وحاجيات الرصيد البشري.
ورغم محدودية الموارد مقارنة ببعض المنافسين، فإن الإفريقي نجح في تكوين مجموعة متوازنة قادرة على المنافسة حتى آخر جولة.
فوزي البنزرتي… الصفقة التي غيّرت كل شيء
إذا كانت بعض الانتدابات قد صنعت الفارق فوق الميدان، فإن أقوى صفقة أبرمها النادي هذا الموسم بقيت دون شك التعاقد مع شيخ المدربين فوزي البنزرتي.
المدرب المخضرم لم يجلب فقط الخبرة، بل أعاد للفريق شخصيته وهيبته وثقافة الانتصار. البنزرتي عرف كيف يُدير المجموعة تحت الضغط، وكيف يحول فريقًا مثقلًا بالشكوك إلى فريق بطل يعرف كيف يفوز داخل وخارج قواعده.
تجربة البنزرتي لعبت دورًا حاسمًا في:
- فرض الانضباط التكتيكي
- خلق روح الانتصار
- حسن إدارة المباريات الكبرى
- إعادة الثقة للاعبين والجماهير
وقد بدا واضحًا أن الإفريقي هذا الموسم يملك “شخصية بطل”، وهي نقطة افتقدها الفريق لسنوات طويلة.
أرقام تؤكد أحقية التتويج
لقب الإفريقي لم يكن صدفة، بل كان ثمرة موسم استثنائي بالأرقام:
- أحسن خط دفاع في البطولة بـ10 أهداف فقط
- ثاني أقوى خط هجوم بـ43 هدفًا
- أكثر فريق حصد نقاطًا خارج قواعده
- رقم قياسي بـ23 مباراة متتالية دون هزيمة
هداف البطولة: فراس شواط بـ14 هدفًا
هذه الأرقام عكست شخصية فريق متوازن يعرف كيف يدافع وكيف يحسم المباريات في اللحظات الكبرى.
دربي العاصمة… هدف دخل التاريخ
ويبقى دربي العاصمة أمام الترجي الرياضي التونسي العنوان الأبرز لهذا الموسم، بعدما سجّل غيث الزعلوني هدف الفوز التاريخي في الدقيقة (90+15)، مانحًا الإفريقي انتصارًا ثمينًا حسم به اللقب قبل جولة من النهاية وأمام جماهير الغريم التقليدي.
ذلك الهدف لم يكن مجرد كرة داخل الشباك، بل كان لحظة انفجار لكل سنوات الألم والمعاناة التي عاشها جمهور الأحمر والأبيض.
الجمهور… الرقم الصعب الحقيقي
ويبقى جمهور النادي الإفريقي العنوان الأهم في هذه العودة التاريخية، لأنه الجمهور الذي لم يرمِ المنديل يومًا، ولم يتخلّ عن ناديه حتى في أحلك الفترات.
حين كانت الديون تخنق النادي، وحين توالت عقوبات المنع من الانتداب، وحين غابت الألقاب، بقي جمهور الإفريقي واقفًا “وقفة الرجل الواحد”، يملأ المدارج، ويدعم اللاعبين، ويدعم الادارات المتعاقبة باللطخات ويؤمن دوما بأن ناديه سيعود مهما طال الليل.
هذا الجمهور لم يكن مجرد عنصر مساند، بل كان شريان الحياة الحقيقي للنادي. كثيرون داخل تونس وخارجها اعتبروا ما عاشه الإفريقي نموذجًا نادرًا في الوفاء والانتماء، حتى أصبح جمهور الأحمر والأبيض محل إشادة من المتابعين في العالم العربي وإفريقيا وحتى في الدول الغربية.
ولذلك، فإن بطولة 2025-2026 لم تكن فقط انتصار اللاعبين أو الإدارة أو الإطار الفني، بل كانت قبل كل شيء انتصار جمهور رفض الاستسلام، وآمن بأن ناديه قادر دائمًا على النهوض من جديد.
موسم استعادة الهيبة
ما حققه النادي الإفريقي هذا الموسم تجاوز حدود التتويج المحلي، لأن الفريق استعاد صورته كنادٍ كبير قادر على النهوض مهما كانت الأزمات.
جماهير باب الجديد لم تحتفل فقط بدرع البطولة رقم 14، بل احتفلت بعودة الروح إلى فريق قاوم الانهيار، وانتصر على الظروف، وعاد من “الموت الرياضي” ليكتب واحدًا من أعظم فصول تاريخه.



