بقلم: إيمان مزريقي
بقلوب يعتصرها الألم والغضب تتلقى الأوساط الاجتماعية والحقوقية نبأ العثور على أمال الغزواني مدفونة داخل مستودع بعد أيام من الاختفاء والبحث المتواصل في نهاية مأساوية أعادت إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول سلامة النساء وحقهن في الحياة والأمان وحول مسؤولية المؤسسات في حماية الأرواح والتصدي لكل أشكال العنف والإفلات من العقاب.
إن هذه الفاجعة لا يجوز أن تمر كخبر عابر في نشرات الأخبار ولا أن تختزل في موجة من الحزن والتعاطف سرعان ما تتراجع أمام زحام الأحداث لأننا أمام قضية تمس الحق في الحياة وكرامة الإنسان وتفرض على الجميع وقفة جدية تتجاوز التنديد اللفظي نحو المطالبة بالحقيقة والمحاسبة والإصلاح الفعلي لمنظومة الوقاية والحماية والتدخل.
ومن الناحية القانونية يكرس دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 في الفصل الرابع والعشرين قدسية الحق في الحياة فيما ينص الفصل الخامس والعشرون على حماية الدولة لكرامة الذات البشرية وحرمة الجسد كما يمثل القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة إطارا قانونيا مهما يقوم على الوقاية من العنف وتتبع مرتكبيه ومعاقبتهم وحماية الضحايا والتعهد بهن ويشمل تعريف العنف الوارد بالفصل الثالث الاعتداء على حياة المرأة بما في ذلك القتل ولذلك فإن احترام هذه النصوص يقتضي ترجمتها إلى حماية فعلية وإجراءات ناجعة لا الاكتفاء بإقرارها في القوانين.
وفي صورة ثبوت جريمة قتل عمد أو سبق إصرار فإن الفصول ذات الصلة من المجلة الجزائية التونسية تضع الإطار الجزائي للتكييف القانوني للأفعال وتحديد المسؤوليات والعقوبات المستوجبة بحسب ما تثبته الأبحاث والأدلة وهو ما يجعل من الضروري فتح تحقيق قضائي جدي ومعمق لكشف جميع ملابسات القضية وتحديد ظروف الاختفاء والوفاة وجمع الأدلة والاستماع إلى كل من يمكن أن تكون له معلومات مفيدة وضمان عدم طمس الحقيقة أو التأثير في مسار العدالة مع احترام قرينة البراءة وعدم توجيه اتهامات قبل ثبوتها قضائيا.
كما وإن خطورة هذه المأساة لا تكمن في فداحة النهاية وحدها بل كذلك في الأسئلة التي تفرضها على المجتمع والدولة حول نجاعة آليات التبليغ عن حالات الاختفاء وسرعة الاستجابة لنداءات العائلات والتنسيق بين الجهات المتدخلة ومدى توفر الحماية اللازمة للنساء المعرضات للخطر فحماية المرأة لا تبدأ بعد وقوع الجريمة وإنما تقتضي منظومة متكاملة من الوقاية والإنصات والتدخل المبكر والتتبع الجدي لكل إشعار ينذر بوجود خطر.
وبناء على ذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالتعازي أو تبادل عبارات الاستنكار وإنما كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون وتوضيح ما توصلت إليه الأبحاث للعموم في حدود ما يسمح به القانون مع مراجعة النقائص التي قد تكشفها القضية حتى لا تتحول المآسي المتكررة إلى واقع مألوف ولا يصبح الخوف على حياة النساء جزءا من الحياة اليومية للعائلات التونسية.
كما تقتضي المسؤولية الأخلاقية احترام حرمة الفقيدة ومشاعر عائلتها والامتناع عن نشر الإشاعات أو الصور والتفاصيل غير المؤكدة لأن العدالة لا تخدمها الإثارة الإعلامية بل يخدمها التثبت وحفظ الأدلة واحترام كرامة الضحية وسلامة الإجراءات القضائية.
أمال الغزواني ليست مجرد اسم يتصدر خبرا حزينا بل إن قضيتها تذكرنا بأن الحق في الحياة ليس شعارا وأن كرامة المرأة ليست موضوعا للمزايدة وأن هيبة القانون تقاس بقدرته على حماية الإنسان وكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين مهما كانت مواقعهم والمطلوب اليوم حقيقة كاملة وعدالة ناجزة ومحاسبة قانونية لا انتقائية ولا تساهل مع العنف ولا صمت أمام المآسي لأن حرمة الحياة وكرامة النساء مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل.


